
نحو عدالة أسرية وتمكين اقتصادي: قراءة في ضرورة تطوير قوانين حماية المرأة في مصر
بقلم: نورا حنا - أمينة المرأة بحزب الإصلاح والنهضة
في السنوات الأخيرة، شهدت مصر نقاشًا متزايدًا حول أهمية تمكين المرأة وتعزيز مكانتها داخل الأسرة والمجتمع. ورغم الجهود المبذولة على مستوى السياسات العامة، ما تزال هناك فجوة واضحة بين النصوص القانونية والواقع الذي تعيشه كثير من النساء، خاصة فيما يتعلق بقوانين الأحوال الشخصية والتمكين الاقتصادي.
تُعد قوانين الأحوال الشخصية في مصر من أكثر المجالات تأثيرًا على حياة المرأة اليومية، حيث تنظم قضايا الزواج والطلاق والنفقة والحضانة. إلا أن بعض هذه القوانين، بصيغتها الحالية، لا تعكس بشكل كافٍ التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدها المجتمع المصري. فعلى سبيل المثال: تواجه بعض النساء صعوبات في إجراءات التقاضي للحصول على حقوقهن بعد الطلاق، سواء بسبب طول الإجراءات أو صعوبة تنفيذ أحكام النفقة، ما يضعهن في أوضاع اقتصادية ونفسية هشة.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مراجعة تشريعية شاملة تضمن تحقيق العدالة والسرعة في إجراءات التقاضي، خاصة في قضايا النفقة، من خلال تفعيل آليات رقمية للمتابعة والتنفيذ، وتغليظ العقوبات على الممتنعين عن السداد، كما أن إعادة النظر في بعض بنود الحضانة بما يحقق مصلحة الطفل أولًا، ويضمن استقرار الأم، يُعد خطوة ضرورية نحو تحقيق توازن حقيقي داخل الأسرة.
وفيما يتعلق بالطلاق، فإن تسهيل الإجراءات القانونية، وضمان حصول المرأة على حقوقها دون تعقيدات، يمثل عنصرًا أساسيًا في حماية كرامتها، كما أن تعزيز آليات التسوية الودية والإرشاد الأسري قبل الوصول إلى النزاع القضائي يمكن أن يسهم في تقليل النزاعات وحماية الأسرة.
لكن الحماية القانونية لا تكتمل دون تمكين اقتصادي فعلي، فوفقًا للواقع المصري، لا تزال نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل أقل من المأمول، خاصة في المناطق الريفية وصعيد مصر. لذلك، فإن سن قوانين وسياسات تدعم عمل المرأة أصبح ضرورة، مثل:
١-ضمان المساواة في الأجور بين الرجل والمرأة
٢-تشديد الرقابة على بيئة العمل لمنع التحرش والتمييز.
٣-دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تديرها النساء، من خلال تسهيلات تمويلية وتدريبية.
٤-توفير حضانات في أماكن العمل لتشجيع الأمهات على الاستمرار في وظائفهن.
كما يمكن للدولة، بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني، إطلاق برامج تستهدف التمكين الاقتصادي للمرأة في القرى، من خلال التدريب المهني وربط الإنتاج بالأسواق، بما يعزز استقلالها المالي ويحد من معدلات الفقر.
وفي جانب الحماية، فإن وجود قوانين واضحة وصارمة لمواجهة العنف ضد المرأة يمثل ركيزة أساسية. ورغم وجود بعض النصوص القانونية التي تجرّم العنف، إلا أن الحاجة لا تزال قائمة لتشريع أكثر شمولًا يتناول العنف الأسري بشكل مباشر، ويوفر آليات حماية مثل أوامر الإبعاد، وخطوط دعم، ومراكز إيواء آمنة.
إن تطوير قوانين حماية المرأة في مصر لا يجب أن يُنظر إليه كقضية تخص المرأة فقط، بل كقضية مجتمعية تمس استقرار الأسرة والتنمية الشاملة. فتمكين المرأة قانونيًا واقتصاديًا ينعكس بشكل مباشر على رفاه الأسرة، وتعليم الأطفال، وتحقيق النمو الاقتصادي.
وفي النهاية، يبقى التحدي الأكبر في التطبيق الفعلي لهذه القوانين، وتغيير الثقافة المجتمعية التي قد تعيق تنفيذها. فالقانون هو البداية، لكن الوعي المجتمعي هو الضامن الحقيقي لاستمرارية التأثير.
إن بناء مجتمع عادل يبدأ من ضمان كرامة أفراده، وعلى رأسهم المرأة، التي تمثل نصف المجتمع، وأحد أهم أعمدته في الحاضر والمستقبل