
الدور المصري في دعم دول الخليج خلال التصعيد الأمريكي-الإسرائيلي ضد إيران
إعداد: اللواء أ ح د/ محمد الشهاوي ●رئيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بحزب الإصلاح والنهضة ●رئيس أركان الحرب الكيميائية الأسبق بالقوات المسلحة ●مستشار كلية القادة والأركان وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية
مقدمة
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتعقد المشهد الدولي، برزت منطقة الخليج العربي كأحد أبرز مسارح التفاعل بين القوى الكبرى، خاصة مع التصعيد الأمريكي-الإسرائيلي ضد إيران، وما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على أمن الطاقة والممرات البحرية والتوازنات الإقليمية. وفي هذا السياق، لم يكن الدور المصري غائبًا، بل جاء متحركًا بوعي استراتيجي يجمع بين الردع والاحتواء، وبين الحضور السياسي والتأثير غير المباشر، بما يعكس ثوابت الدولة المصرية في التعامل مع قضايا الأمن القومي العربي.
وتكتسب التحركات المصرية، وعلى رأسها زيارات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي لكل من الإمارات والسعودية وقطر خلال توقيتات حساسة، دلالات تتجاوز الإطار البروتوكولي، لتؤكد على أن القاهرة تمارس دورًا مركزيًا في إدارة التوازنات الإقليمية، مستندة إلى مزيج من الخبرة التاريخية، والقدرة على التواصل مع مختلف الأطراف، وتبني مبدأ “مسافة السكة” كأحد مرتكزات الردع الاستراتيجي.
أولاً: الإطار العام للدور المصري
الموقف المصري قائم على 3 ثوابت استراتيجية ظهرت بوضوح خلال الأزمة:
- الأمن القومي العربي والخليجي:الأمن القومي المصري جزء لا يتجزأ منهما. تصريح الرئيس السيسي “أمن الخليج من أمن مصر” ليس شعارًا، بل عقيدة سياسية وعسكرية. أي تهديد لمضيق هرمز أو باب المندب هو تهديد مباشر لقناة السويس والتجارة المصرية.
- رفض توسيع الحرب:عملت مصر على احتواء التصعيد ومنع تحوله لحرب إقليمية شاملة تضر الجميع، مع التأكيد على حق الدول في الدفاع عن أراضيها.
- “مسافة السكة” كعقيدة ردع:المبدأ الذي أعلنه الرئيس السيسي في 2015 تحول من شعار إلى سياسة تنفيذية، بما يعني جاهزية التحرك لحماية الأشقاء عند التهديدات الوجودية.
ثانياً: تفاصيل الدور المصري على 4 مسارات
1. المسار السياسي والدبلوماسي (زيارات الرئيس أثناء العمليات)
شكلت الزيارات للإمارات والسعودية وقطر نموذجًا لدبلوماسية الأزمة، ويوضح الجدول التالي أبعادها:
| الدولة | توقيت الزيارة | الرسائل الأساسية |
| الإمارات | خلال الأسبوع الأول للتصعيد | تنسيق الموقف الدفاعي الجوي والبحري، تأكيد حماية المنشآت الحيوية، مناقشة بدائل إمدادات الطاقة. |
| السعودية | ذروة العمليات العسكرية | تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، تأمين البحر الأحمر وباب المندب، رسالة ردع بوحدة الموقف. |
| قطر | بعد إعلان الهدنة | دعم الوساطة، توحيد الموقف العربي، التنسيق بشأن غزة ومنع التصعيد. |
الهدف الموحد: منع انقسام الموقف العربي وتقديم مظلة سياسية جماعية لأي تحرك.
2. المسار العسكري والأمني
قدمت مصر دعمًا استراتيجيًا في ثلاثة اتجاهات رئيسية:
- الردع المسبق:من خلال رفع جاهزية القوات المسلحة وتأمين الملاحة في البحر الأحمر.
- تبادل المعلومات:عبر غرف عمليات مشتركة لمتابعة التهديدات الإقليمية.
- تأمين العمق:ضمان استقرار العمق الاستراتيجي ومنع فتح جبهات موازية للصراع.
3. المسار الاقتصادي (تأمين الطاقة والملاحة)
لعبت مصر دور صمام الأمان الإقليمي عبر:
- تأمين قناة السويس ورفع جاهزيتها كبديل جزئي في حال تعطل مضيق هرمز.
- تقديم حلول بديلة عبر مرفق إسالة الغاز لدعم الأسواق الدولية وتخفيف أزمات الطاقة.
- التنسيق لإنشاء مخزون استراتيجي مشترك لمواجهة أي اضطرابات في الإمدادات.
4. المسار الإعلامي والشرعية
جاء الخطاب المصري متوازنًا؛ حيث رفض التصعيد، ودعم حق الدفاع المشروع، ودعا للحلول السياسية، مما وفر غطاءً عربيًا متزنًا للتحركات أمام المجتمع الدولي.
ثالثاً: ترجمة “مسافة السكة” عملياً
المبدأ لم يكن شعارًا بل سياسة منضبطة تخضع لثلاثة شروط أساسية:
- وجود تهديد وجودي مباشر.
- طلب رسمي من الدولة المعنية.
- تنسيق عربي شامل.
وفي هذه الأزمة، تحقق الردع بمجرد إعلان الجاهزية والتحرك السياسي دون الحاجة لتدخل عسكري مباشر.
رابعاً: ماذا كسبت مصر؟ وماذا قدمت؟
| مكاسب مصر | ما قدمته مصر |
| ترسيخ دورها كصمام أمان إقليمي. | غطاء سياسي ودبلوماسي دولي. |
| تعميق التحالف الاستراتيجي مع الخليج. | ردع معنوي وعسكري (الجاهزية). |
| حماية الأمن القومي وقناة السويس. | بدائل لوجستية للطاقة والملاحة. |
| منع الفوضى الإقليمية الشاملة. | توحيد الموقف العربي ومنع الانقسام. |
الخلاصة
جاء الدور المصري متوازنًا بين القوة والهدوء، حيث جمع بين الجاهزية العسكرية والدبلوماسية النشطة. تحركات الرئيس السيسي خلال الأزمة أكدت رسالة واضحة: مصر حاضرة سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، بما يحفظ استقرار الإقليم ويمنع الانزلاق إلى سيناريوهات أكثر خطورة.
إن المعادلة المصرية تظل واضحة: أمن الخليج من أمن مصر، والتحرك ليس مجاملة بل دفاع استباقي عن المصالح الوطنية والإقليمية. وفي ظل استمرار حالة عدم اليقين، يظل الدور المصري أحد أهم عناصر الاستقرار في المنطقة