الإصلاح والنهضة هو حزب مدني يحتضن دون تمييز جميع المواطنين وينطلق من أرضية مشتركة لترسيخ دعائم الدولة المدنية وإحترام سيادة القانون والدستور والمواطنة والتعددية
الحسيني الكارم نائب رئيس حزب الإصلاح والنهضة يكتب
لماذا يعزف الناس عن المشاركة في الانتخابات؟ .. أزمة ثقة لا أزمة سياسة
شارك
لم يعد السؤال الذي يتردد في الشارع المصري: “مين هينجح؟” بل أصبح: “ليه ننزل أصلاً؟”.
والإجابة — بكل وضوح — ليست في ضعف الإقبال ولا في فتور الحماس، بل في أزمة ثقة تراكمت عبر ما يُعرف بـ “الهندسة الانتخابية”، سواء كان ما يُقال حولها مبالغًا فيه أو قائمًا على حقائق. لكن المحصلة واحدة: فقدان المواطن شعوره بأن لصوته قيمة فعلية.
من أكتوبر 2010 إلى اليوم… كيف اتسعت الفجوة؟
في الماضي، وحتى أكتوبر 2010، كانت الأزمة قائمة لكنها محدودة، ذات مسؤولية واضحة، ولها نطاق ضيق يمكن تحديده. اليوم تغيّر كل شيء.
الأزمة لم تعد “محدودة المسؤولية”، بل أصبحت مفتوحة وموزعة بطريقة تجعل السؤال الصعب:
من المسؤول؟ ومن يتحمل كلفة الفجوة؟
هذا التشتت في المسؤولية خلق شعورًا عامًا بأن المشكلة أكبر من فرد أو جهة، وأن التراكمات تجاوزت ما يمكن ضبطه بإجراءات شكلية أو حملات دعائية.
النية وطنية… لكن الحسابات لم تكتمل
لا أحد يشكك في أن الهدف الوطني حاضر: استقرار الدولة، تنظيم المشهد، وضمان سير العملية السياسية بلا صدامات.
لكن رغم شرف الغاية، فإن الحسابات أحيانًا تُصيب وأحيانًا تخطئ، وهذا طبيعي.
غير الطبيعي — وغير المبرر — هو عدم أخذ رد فعل المواطن المصري في الحسبان.
الناس ليست كما كانت قبل عشر سنوات.
وعيها مختلف، أدواتها مختلفة، ونقاشها العام أصبح أعمق وأكثر تشريحًا للمشهد.
ما يحدث اليوم من حالة انشغال واسع بالسياسة والانتخابات في كل مجلس، وكل جلسة أصدقاء، وكل مساحة عامة، يؤكد أن المواطن لم يعد “غير مهتم”، بل أصبح متابعًا مدققًا، وربما ناقمًا في بعض الأحيان.
مفارقة لافتة: لا كرة تُلهي… ولا خطاب يصرف الانتباه
في مراحل سابقة، كان يُصنع حدث كروي كبير لصرف الأنظار أو تخفيف الاحتقان.
نتعادل؟ نخسر؟ نربح؟
كان ذلك يغيّر مزاج الشارع ولو مؤقتًا.
أما اليوم، فحتى هذا غير موجود.
لا انتصار كروي، ولا حالة رياضية قادرة على ملء الفراغ.
ورغم ذلك، فإن الناس لم تلتفت لشيء آخر سوى الانتخابات.
لا الأسعار ولا الدولار ولا قضايا الخدمات اليومية تمتلك نفس مساحة النقاش الآن.
الغريب أن السوشيال ميديا تحولت إلى “برلمان افتراضي”؛
كل شخص أصبح محللًا سياسيًا، أو مرشحًا افتراضيًا، أو مراقبًا، رغم غياب الحضور الحقيقي على الأرض.
هذا التناقض نفسه يحمل رسالة خطيرة:
الناس تتكلم لأنها تشعر بأن هناك خللًا ما… لكنها لا تنزل لأنها لا تشعر بأن رأيها سيغَيِّر.
ما نحتاجه الآن: دراسة جادة لسلوك الناخب المصري
أزمة الثقة الحالية لن تُحل عبر دعوات عامة للمشاركة، ولا عبر رسائل إعلامية تقليدية.
المطلوب هو:
• دراسة علمية حقيقية لتفكير المواطن المصري.
• فهم أسباب امتناعه أو غضبه أو صمته.
• تحليل كيف يرى الانتخابات، وكيف يرى المرشحين، وكيف يرى دوره هو في المشهد.
بدون هذا الفهم، ستظل كل محاولات الإصلاح ناقصة، وستبقى الفجوة بين الدولة والناخب تتسع.
خاتمة
عزوف الناس ليس كسلًا، ولا عدم وعي، ولا “قلة اهتمام”.
إنه صوت احتجاجي صامت يقول:
“أثبتوا لي أن صوتي له قيمة… وسأعود”.
وما لم تُستعاد الثقة، سيظل المشهد الانتخابي سطحيًا في المظهر، فارغًا في الجوهر، مهما امتلأت الشاشات بالشعارات.
إعادة بناء الثقة ليست مهمة طرف واحد، بل مسؤولية منظومة كاملة — سياسية، تشريعية، إعلامية — تدرك أن المواطن اليوم لم يعد ذلك الذي يمكن تجاهله أو تجاوزه