الإصلاح والنهضة
الإصلاح والنهضة هو حزب مدني يحتضن دون تمييز جميع المواطنين وينطلق من أرضية مشتركة لترسيخ دعائم الدولة المدنية وإحترام سيادة القانون والدستور والمواطنة والتعددية

ظاهرة الحشد الناعم… ورسائل مقلقة لجيل «ألفا» و«زد»

بقلم: الأستاذ/ الحسيني الكارم، نائب رئيس حزب الإصلاح والنهضة للمحافظات

ما شهدناه مؤخرًا من قدرة بعض صناع المحتوى على تجميع آلاف الشباب في لحظات، ومن دون مقابل مادي أو إعاشة أو تنظيم رسمي، لم يعد حدثًا ترفيهيًا عابرًا. إنها ظاهرة تستحق الدراسة، لأنها تكشف شكلًا جديدًا من الحشد، ناعمًا وخفيًا، يعتمد فقط على هاتف محمول ومنصة رقمية، لا على دعوات ولا على حشود منظمة.
هذه الظاهرة باتت تخاطب الشباب بمختلف أعمارهم ومستوياتهم التعليمية والاجتماعية. بعضهم يشاهد، بعضهم يتابع وينتظر، وبعضهم — كما رأينا — يتحرك فعلًا. وهنا مكمن الخطورة: القدرة على خلق تجمعات مُفاجئة في وقت قصير وبأقل مجهود، وبعيدًا عن أي إطار مؤسسي.
وهذا يثير سؤالًا مهمًا: أين نحن من الأجيال الجديدة بالفعل؟ أين نحن من جيل «زد» الذي خرج من دائرة التأثير التقليدية؟ والأهم… أين نحن من جيل «ألفا» الذي سيصبح قريبًا في قلب العمل العام، وهو جيل وُلد داخل عالم رقمي بالكامل لا يشبه الواقع الذي عرفته الأجيال السابقة؟
لقد تُركت هذه الأجيال فريسة سهلة لرؤية مفادها أن طريق الشهرة هو «الترند»، وأن طريق المال هو «التيك توك». أصبحت المنصات الرقمية هي الملجأ ومصدر الطموح ومساحة التعبير الوحيدة المتاحة. وهي منصات تعمل ضمن أنظمة خوارزمية قادرة على تشكيل السلوك وتوجيه الانتباه وإدارة العقول عبر آليات دقيقة لا تُرى.
ومن المهم الإشارة هنا إلى أن كلمة «سايبر» Cyber ليست مجرد مرادف للتكنولوجيا. أصل الكلمة يوناني قديم ومعناها “الربّان” أو “قائد السفينة” أو “من يوجّه ويدير”. وهذا المعنى يعكس جوهر عالم السايبر: القدرة على التوجيه عن بُعد… توجيه السلوك والوعي والاهتمامات وحتى ردود الفعل.
ومن المؤسف أننا — بقصد أو بدون قصد — ساهمنا في تضخيم نفوذ صناع المحتوى حين استُخدم بعضهم في فعاليات عامة، مما منحهم شرعية إضافية ورسالة ضمنية للشباب بأن النجاح يبدأ من الشاشة، لا من مهارة أو جهد أو علم.
وفي ظل واقع اقتصادي ضاغط، يصبح السؤال مشروعًا: ماذا يفعل الشاب لطموحاته وهو يرى طريقًا سهلًا للمال والشهرة عبر الهاتف المحمول؟ وكيف نطالبه بالصبر والعمل بينما البديل الرقمي يبدو أسرع وأوفر وأكثر جاذبية؟
إن خطاب الشباب في السنوات الماضية لم يصل إلى كل الشباب، ولم يفهم اختلاف الأجيال. وما نحتاجه اليوم هو إعادة صياغة طريقة التواصل، لأن ما يناسب جيل «زد» قد لا يناسب «ألفا»، ولأن غياب الدولة والمجتمع عن ساحات التأثير يترك الأبواب مفتوحة لغيرنا.
الوطن ليس حدودًا فقط، بل هو شباب وعقول وصحة وتعليم وثقافة. والحرب الحديثة ليست مدافع ولا طائرات، بل حرب سيبرانية تستهدف العقول قبل أي شيء، وتؤثر في الوعي قبل الواقع.
حماية أجيالنا من هذا التأثير ليست رفاهية، بل هي في صميم الأمن القومي… ومن دون فهم عميق لهذه الظواهر سنظل نصل متأخرين إلى معارك تدور بالفعل.