الإصلاح والنهضة هو حزب مدني يحتضن دون تمييز جميع المواطنين وينطلق من أرضية مشتركة لترسيخ دعائم الدولة المدنية وإحترام سيادة القانون والدستور والمواطنة والتعددية
جمارك الهواتف المحمولة… بين تحصيل الموارد وتكلفة القرار
بقلم: الأستاذ أشرف خليفة
أمين لجنة الشئون الضريبية بأمانة السياسات المركزية – حزب الإصلاح والنهضة
شارك
لا خلاف على أن تحصيل مستحقات الدولة الجمركية والضريبية أمر صحيح وواجب، ولا يمكن لأي دولة أن تتنازل عن حقوقها المالية. ومن هذه الزاوية، فإن قرار تنظيم جمارك الهواتف المحمولة يحقق بالفعل حصيلة متوقعة بمليارات الجنيهات، وهو ما لا يخفى على أحد.
لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بما سيدخل الخزانة، بل بما قد يخرج من قطاعات أخرى نتيجة هذا القرار، وهل تمت دراسة الأثر الكلي له على الاقتصاد الوطني بصورة متوازنة؟
أول هذه الآثار يظهر بوضوح في قطاع السياحة. فمن غير المنطقي أن يُطلب من سائح، عربيًا كان أو أجنبيًا، يستخدم هاتفه لبضعة أيام داخل البلاد، أن يتحمل أعباء جمركية كاملة على جهازه الشخصي. مثل هذه الإجراءات، حتى لو بدت تنظيمية، قد تترك انطباعًا سلبيًا لا يخدم صورة مصر السياحية ولا تنافسيتها الإقليمية.
ثانيًا، يبرز وضع المصريين العاملين بالخارج، الذين لا يمكن تجاهل دورهم الحيوي في دعم الاقتصاد عبر تحويلاتهم المستمرة. هل من العدل ألا يُسمح للمغترب بإدخال هاتف واحد كهدية لأحد أفراد أسرته؟ أليس من المنطقي اعتبار ذلك جزءًا من رد الجميل لمواطن ظل لسنوات يحول العملة الصعبة إلى وطنه؟
بل يمكن النظر إلى الأمر من زاوية أوسع: منح ميزة محدودة للمغترب لا تمثل خسارة، بل استثمارًا في تعزيز الولاء والانتماء، وربط المواطن بوطنه ارتباطًا إيجابيًا يشعره بالتقدير لا بالتحميل المستمر للأعباء.
وهنا يثور تساؤل مشروع: إذا كانت الدولة قد فتحت باب الإعفاءات أو التيسيرات في بعض الملفات مثل السيارات للمصريين بالخارج وفق ضوابط محددة، فلماذا لا يُنظر إلى الهواتف المحمولة بذات المنطق، خاصة وأنها أصبحت أداة أساسية للحياة والعمل والتواصل؟
المشكلة الحقيقية ليست في القرار ذاته، بل في فلسفته. حين يطغى منطق الجباية على حساب التنمية السياحية وتحفيز التحويلات والحفاظ على سمعة مصر الاقتصادية، نكون أمام خلل في ترتيب الأولويات. وليس عيبًا على الإطلاق أن تعيد الدولة النظر في أي قرار، أو أن تُراجع تفاصيله، أو أن تستمع لردود الفعل وتقييم الأثر قبل الإصرار على الاستمرار فيه.
مصر اليوم تحتاج إلى وزراء ورؤساء مصالح وهيئات يمتلكون عقلية اقتصادية شاملة، لا تقتصر على تحصيل الموارد، بل تعيد هيكلة المشكلات، وتضع حلولًا مدروسة وفق أولويات واضحة. نحتاج إلى فكر جديد، لا إلى حلول جاهزة أو نقل تجارب دون تكييفها مع الواقع المصري.
المرحلة الحالية تتطلب اختيارًا دقيقًا يجمع بين أهل الخبرة وأهل الثقة، وأن يكون لكل وزير رؤية واضحة لوزارته منذ اليوم الأول، بخطة زمنية معلنة، وأهداف قابلة للقياس، ومسؤولية واضحة أمام القيادة السياسية وأمام المواطن.
فالأعباء الملقاة على عاتق القيادة كبيرة داخليًا وخارجيًا، ولا تحتمل مزيدًا من القرارات غير المدروسة أو الرسائل المتناقضة. المواطن المصري تعب، ولا يطلب المستحيل، بل يطلب فقط وضوح الرؤية، وعدالة القرار، وتحسينًا حقيقيًا في جودة حياته.
هذه رسالة مواطن قبل أن تكون رأيًا سياسيًا، ورسالة حرص على وطن نريده أفضل، وأكثر توازنًا، وأكثر قدرة على الجمع بين حق الدولة وحق المواطن.