الإصلاح والنهضة هو حزب مدني يحتضن دون تمييز جميع المواطنين وينطلق من أرضية مشتركة لترسيخ دعائم الدولة المدنية وإحترام سيادة القانون والدستور والمواطنة والتعددية
البرلمان الجديد بين الحكومة والناس: من يملأ الفراغ؟
بقلم: الدكتور / علاء مصطفى، نائب رئيس حزب الإصلاح والنهضة للشؤون السياسية والبرلمانية
شارك
في اللحظات التي تتزايد فيها الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، لا يكون الخطر الأكبر هو القرارات الصعبة ذاتها، بل الفراغ السياسي الذي يتشكل بين الحكومة والمواطن. هذا الفراغ هو المساحة التي يولد فيها الغضب، وسوء الفهم، والشعور بالتهميش. وهنا تحديدًا يصبح البرلمان إما جسرًا يعبر عليه الجميع، أو مساحة صامتة تترك الصدام يحدث في الشارع بدل القاعة.
مع بداية أول دور انعقاد، يدخل البرلمان المصري لحظة اختبار حقيقية. ليس اختبار التشريعات، بل اختبار الدور. هل سيكتفي بدور المنصة التي تُمرَّر عبرها السياسات، أم يتحول إلى المساحة التي تُناقَش فيها هذه السياسات قبل أن تصبح واقعًا على الناس؟
الحكومة، بحكم طبيعتها، تُفكر بمنطق الإدارة: أرقام، موازنات، التزامات دولية، عجز، موارد. المواطن، بحكم حياته اليومية، يُفكر بمنطق مختلف: دخل، أسعار، خدمات، أمان، مستقبل. المشكلة لا تبدأ عندما يختلف المنطقان، بل عندما لا يوجد من يترجم أحدهما للآخر. هذه الترجمة هي وظيفة البرلمان السياسية الأولى.
البرلمان لا يُفترض أن يكون خصمًا للحكومة، لكنه كذلك لا يجب أن يكون ظلًّا لها. وظيفته الأعمق هي أن يُحوّل قرارات الدولة إلى قضايا سياسية قابلة للنقاش: لماذا هذه الضريبة؟ لماذا هذا التوقيت؟ من سيدفع الكلفة؟ وهل هناك بدائل؟ عندما تُطرح هذه الأسئلة داخل القاعة، يشعر المواطن أن هناك من يتحدث باسمه، حتى لو لم تُلبَّ كل مطالبه.
في غياب هذا الدور، تتحول الدولة إلى ماكينة قرارات، ويتحول المجتمع إلى متلقٍّ صامت. هذا النموذج قد يعمل إداريًا لفترة، لكنه سياسيًا هشّ. لأن الناس لا تعترض فقط على “النتيجة”، بل على غياب المشاركة في الطريق إليها.
بداية هذا الدور البرلماني فرصة لإعادة ضبط المعادلة. كل ملف ملح، من الأسعار إلى الخدمات، من الضرائب إلى الصحة والتعليم، هو فرصة للبرلمان أن يثبت أنه ليس مجرد شاهد، بل فاعل. أن يستدعي الوزراء، يفتح الملفات، يطلب الأرقام، ويضع الحكومة أمام الرأي العام داخل إطار مؤسسي منضبط.
والأهم، أن البرلمان القوي لا يحمي المواطن فقط، بل يحمي الحكومة أيضًا. لأنه عندما تمر القرارات عبر نقاش عام داخل مؤسسة منتخبة، تكتسب شرعية سياسية تقلل من كلفتها الاجتماعية، حتى لو كانت صعبة.
السؤال الحقيقي في بداية هذا الانعقاد ليس: ما القوانين التي سيُصدرها البرلمان؟ بل:
هل سيملأ الفراغ بين الحكومة والناس … أم يتركه يتسع؟