الإصلاح والنهضة هو حزب مدني يحتضن دون تمييز جميع المواطنين وينطلق من أرضية مشتركة لترسيخ دعائم الدولة المدنية وإحترام سيادة القانون والدستور والمواطنة والتعددية
بقلم: الدكتور مصطفى كُريّم
مساعد رئيس حزب الإصلاح والنهضة وأمين السياسات العامة
شارك
لا يمكن إنكار أن التفات الدولة ومجلس النواب أخيرًا إلى قضايا واهتمامات جيل Z وجيل ألفا يُعد أمرًا إيجابيًا في ذاته. فهذه الأجيال لم تعد هامشًا اجتماعيًا أو شريحة مؤقتة، بل هي الكتلة الأكبر تأثيرًا في المستقبل القريب، وصاحبة العلاقة الأكثر عمقًا بالتكنولوجيا والتحولات الرقمية. مجرد إدراك أن هناك فجوة تستحق النقاش هو خطوة في الاتجاه الصحيح.
لكن، مع ذلك، فإن نتائج الاجتماعات الأخيرة تثير بعض القلق، ليس من باب المعارضة، بل من باب الحرص على أن يكون التشخيص دقيقًا، وأن تكون الأدوات مناسبة لطبيعة اللحظة.
أولًا، اختيار توصيف من قبيل “خطة إنقاذ” يطرح إشكالية رمزية عميقة. الإنقاذ يُستخدم عادة مع منكوبين أو ضحايا كوارث، بينما نحن أمام جيل طبيعي، متطور، شديد الذكاء، لديه مزايا واضحة كما لديه تحديات. اللغة هنا ليست تفصيلًا شكليًا؛ فطريقة توصيف المشكلة تعكس زاوية النظر إليها. نحن لا ننقذ جيلًا، بل نخاطبه ونتواصل معه ونبني معه المستقبل. الفارق كبير بين خطاب وصاية وخطاب شراكة.
ثانيًا، فكرة الحظر والمنع كأداة رئيسية تبدو أقرب إلى أدوات عصر كان فيه مصدر التلقي محدودًا ويمكن التحكم فيه. مع صعود التلفزيون في أزمنة سابقة، كان يمكن إغلاق الجهاز، وفي زمن الكمبيوتر المكتبي كان يمكن نزع السلك. أما اليوم فنحن في عصر VPN، وتطبيقات مشفرة، ومنصات عابرة للحدود، وخوارزميات تتطور أسرع من أي لائحة تنفيذية. الحظر قد يمنح شعورًا مؤقتًا بالسيطرة، لكنه نادرًا ما يحقق سيطرة حقيقية في بيئة رقمية مفتوحة بطبيعتها.
ثالثًا، الاجتماعات تخلو تقريبًا من صوت جيل Z نفسه. من غير المنطقي أن نناقش مستقبل شريحة كاملة دون وجود تمثيل حقيقي لها على الطاولة. صحيح أن الأجيال الأكبر تمتلك خبرة أطول في إدارة الدولة وصناعة القرار، لكن هذا لا يعني أنها الأقدر وحدها على فهم طبيعة جيل نشأ رقميًا بالكامل. هناك فرق بين طول الخبرة وملاءمتها. جيل Z، ومن بعده جيل ألفا، يتحركان في فضاءات رقمية تتجاوز خيالنا أحيانًا، ويملكان أدوات للوصول والتأثير لا يمكن فهمها من الخارج فقط.
رابعًا، هناك فجوة سرعة واضحة. آليات الدولة بطبيعتها بيروقراطية تحتاج إلى لجان، ومذكرات، ومراجعات، وموافقات، ناهيك عن السعي نحو “اللقطة” وما يحدث في تلك اللجان من “تصفية حسابات”، لكن في الوقت الذي تعقد فيه لجنة اجتماعها الثاني، قد تكون منصات جديدة ظهرت، وتطبيقات مختلفة انتشرت، وإصدارات جديدة من تقنيات الذكاء الاصطناعي باتت واقعًا. السباق هنا ليس تشريعيًا فقط، بل سباق فهم وإدراك.
وحتى لا يتحول الأمر إلى معالجة شكلية، أخشى أن تنتهي كل هذه الاجتماعات بإنتاج منهج جديد أو كتاب إضافي يثقل كاهل الطلاب، يشرح لهم الفرق بين “الذكاء الاصطناعي التوليدي” و”التفاعلي”، ويسرد عليهم قائمة الأخلاقيات العشر للاستخدام المسئول للذكاء الاصطناعية، ثم تظهر مذكرة مراجعة مختصرة لأحد أباطرة الدروس الخصوصية يحفظها الطالب ليضمن درجة النجاح، فيتحول الموضوع إلى عبء دراسي جديد لا علاقة له بروح الجيل ولا بلغته.
التحدي الحقيقي ليس في إصدار قرار، ولا في سن قانون، ولا في إضافة مادة دراسية. التحدي في بناء جسور ثقة وفهم متبادل، وفي الانتقال من منطق السيطرة إلى منطق الشراكة، ومن منطق الحظر إلى منطق التمكين الواعي. جيل Z وجيل ألفا لا ينتظران أن ننقذهما، بل ينتظران أن نستمع إليهما ونتحرك بسرعة قريبة من سرعتهما وقبل كل شيء التأثير الحقيقي سيحدث فقط حين نغيّر زاوية النظر قبل أن نغيّر اللوائح.