الإصلاح والنهضة
الإصلاح والنهضة هو حزب مدني يحتضن دون تمييز جميع المواطنين وينطلق من أرضية مشتركة لترسيخ دعائم الدولة المدنية وإحترام سيادة القانون والدستور والمواطنة والتعددية

يحدث في مصر… معركة الوعي قبل كل شيء

بقلم: الأستاذ الحسيني الكارم نائب رئيس حزب الإصلاح والنهضة لشئون المحافظات

في عام 1986 اكتشف المفكر الأمريكي «ناعوم تشومسكي» وثيقة سرية منسوبة إلى إحدى المنظمات الماسونية، وهي «مجموعة بيلديربيرغ Bilderberg Group» التي يطلق عليها البعض «حكومة العالم الخفية»، وجاءت هذه الوثيقة تحت عنوان: «الأسلحة الصامتة لخوض حرب هادئة» Silent Weapons for Quiet Wars.
وتسطر هذه الوثيقة ما يُعرف بعشر استراتيجيات للتحكم في الشعوب، وهي استراتيجيات للتحكم في البشر والسيطرة على المجتمعات. وقد كشف العالم والمفكر الأمريكي نعوم تشومسكي عما يمكن تسميته بـ«استراتيجيات التحكم والتوجيه العشر» التي تعتمدها بعض دوائر النفوذ في العالم للتلاعب بجموع الناس وتوجيه سلوكهم والسيطرة على أفعالهم وتفكيرهم في مختلف بلدان العالم.
ويبدو أن تشومسكي استند في حديثه إلى تلك الوثيقة التي يعود تاريخها إلى عام 1979، وتم العثور عليها عام 1986 بالصدفة. وتحمل عنوانًا مثيرًا هو «الأسلحة الصامتة لخوض حرب هادئة»، وهي عبارة عن كتيّب أو دليل للتحكم في البشر وتدجين المجتمعات والسيطرة على مقدراتها. ويرجّح بعض المختصين أنها تعود إلى دوائر نفوذ عالمية تجمع كبار الساسة والرأسماليين والخبراء في مختلف المجالات.
وتثير هذه الوثيقة الكثير من الجدل لما تتضمنه من خطط يمكن أن تُلمس تطبيقاتها في السياسة الدولية، بل وحتى في السياسات المحلية، وفي الخيارات الاقتصادية والتعليمية والثقافية، بل وفي محاولات طمس التراث والهوية الثقافية للشعوب.
وتتضمن هذه الاستراتيجيات العشر ما يلي:
1- الإلهاء والتسلية.
2- افتعال وخلق الأزمات.
3- استراتيجية التدرج.
4- استراتيجية التأجيل.
5- مخاطبة الجمهور وكأنه قاصر أو طفل في مرحلة ما قبل البلوغ.
6- مخاطبة العاطفة بدلًا من العقل والفهم.
7- إغراق الجمهور في الجهل والغباء.
8- تشجيع الجمهور على استحسان الرداءة.
9- تحويل مشاعر التمرد إلى إحساس بالذنب.
10- معرفة الأفراد أكثر مما يعرفون أنفسهم.
ومن أخطر ما تتحدث عنه هذه الوثيقة ما يعرف باستراتيجية الإلهاء أو التسلية The Strategy of Distraction، وكذلك استراتيجية إغراق الجمهور في الجهل والسطحية Keep the Public in Ignorance and Mediocrity، إضافة إلى تشجيع الجمهور على تقبل الرداءة To Encourage the Public to Complacent with Mediocrity، إلى جانب افتعال الأزمات وتوجيه الرأي العام بعيدًا عن القضايا الحقيقية.
وتشير هذه الرؤية إلى استخدام الإعلام الترفيهي في تقديم محتوى فارغ يلهي ولا يثقف، ويدفع إلى تبني سلوكيات وعادات لا تتناسب مع قيم المجتمعات وثقافتها ودينها، مع افتعال أزمات وإثارة قضايا جانبية تشغل الناس عن أولوياتهم الحقيقية.
وقد عُرفت هذه الوثيقة تاريخيًا باسم «دليل التحكم في البشر والسيطرة على المجتمعات»، كما أطلق عليها البعض «استراتيجيات التحكم والتوجيه والتضليل العشر».
ويرى البعض أن بعض الحكومات الغربية قد استخدمت مثل هذه الاستراتيجيات كأداة للضغط والتأثير على الشعوب، بدلاً من الاعتماد فقط على أدوات القوة العسكرية المباشرة.
ومن هنا يطرح سؤال مهم نفسه: لماذا يتم تشويه صورة مصر الحضارية أحيانًا في بعض وسائل الإعلام أو الأعمال الفنية؟ ولماذا يتم تصدير صورة غير حقيقية عن المجتمع المصري وكأنه مجتمع جاهل أو متخلف أو فاقد للقيم؟
لقد عُرفت مصر عبر تاريخها الطويل بأنها دولة حضارة وثقافة وفن راقٍ، وكانت القوة الناعمة المصرية من أهم عناصر تأثيرها في محيطها العربي. لكن مع مرور الوقت ظهرت مظاهر من التراجع في بعض أشكال المحتوى الفني والإعلامي، حيث انتقل جزء من الذوق العام من الفن الأصيل إلى أنماط من المحتوى السطحي أو الهابط.
كما نشأ بعض الشباب على أعمال فنية لا تعكس تاريخ الفن المصري الحقيقي ولا تحترم قيم المجتمع، وهو ما أدى إلى تشويه الصورة الثقافية التي كانت تقدمها السينما والدراما المصرية في فترات ازدهارها.
ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى الاهتمام بالصحة والتعليم والتربية، وتعزيز المبادئ والقيم، ونشر الوعي الثقافي والأخلاقي، وترسيخ أسس التربية الوطنية. فبناء الإنسان الواعي هو الضمان الحقيقي لحماية المجتمع من أي محاولات للتضليل أو التجريف الثقافي.
إن خطورة هذه القضايا لا تتوقف عند الفرد، بل تمتد لتؤثر على المجتمع بأكمله. ويكفي أن نتذكر تلك العبارات المعبرة: «أعطني إعلامًا بلا ضمير أعطك شعبًا بلا وعي»، و«أعطني تعليمًا بلا هدف أعطك فشلًا بلا حدود».
فالدولة التي لا تمتلك تنمية حقيقية واقتصادًا قويًا واستراتيجية واضحة هي دولة تضعف قدرتها على حماية نفسها. كما أن الدولة التي لا تصنع سلاحها ولا تبني وعي شعبها تصبح عرضة لمختلف أشكال التأثير والاختراق.
والاحتلال لا يكون دائمًا بالقوة العسكرية فقط، بل قد يكون عبر التأثير في التعليم والمبادئ والثقافة والسلوك والولاء الوطني.
ومن هنا يظهر الدور الكبير للمجتمع المدني، والأحزاب السياسية، ووسائل الإعلام، والأسرة، ومؤسسات التعليم، ودور العبادة، في بناء الوعي وتعزيز الهوية الوطنية.
إن مسؤوليتنا جميعًا أن نواصل مسيرة التنمية والنهوض بوطننا، وأن نتصدى لكل أشكال الفتن وتراجع الوعي وتجريف العقول والثقافة، وأن نستعيد ثقافتنا الأصيلة وقيمنا الراسخة، حتى لا نصبح فريسة سهلة للبلطجة أو الإدمان أو التطرف أو محاولات النيل من عزيمتنا وسلوكنا ووعينا.
حفظ الله الوطن… وتحيا مصر… تحيا مصر… تحيا مصر.