الإصلاح والنهضة هو حزب مدني يحتضن دون تمييز جميع المواطنين وينطلق من أرضية مشتركة لترسيخ دعائم الدولة المدنية وإحترام سيادة القانون والدستور والمواطنة والتعددية
الألم النفسي… حين يكون التدخل واجبًا والأمل حاضرًا
بقلم: الدكتورة إيناس دويدار
أمين لجنة الصحة النفسية – حزب الإصلاح والنهضة
شارك
في ظل ما نشهده من حوادث مؤلمة تمس الصحة النفسية، يصبح من الضروري التأكيد على حقيقة جوهرية كثيرًا ما يغفلها البعض، وهي أن من يفكر في إنهاء حياته لا يسعى إلى الموت ذاته، بل يحاول الهروب من ألم نفسي شديد تجاوز قدرته على التحمل. ومن هنا، فإن التعامل مع هذه الحالات لا يجب أن ينطلق من الأحكام، بل من الفهم والاحتواء، ومن الإيمان بأن إنهاء المعاناة لا يتطلب إنهاء الحياة، وأن هناك دائمًا طريقًا آخر يمكن الوصول إليه بالدعم المناسب.
في حالات الاكتئاب الشديد، قد يفقد الإنسان القدرة على طلب المساعدة، بل وقد يرفضها، ليس عنادًا، وإنما نتيجة فقدان الطاقة والدافعية، والشعور بأن أي محاولة للعلاج تمثل عبئًا إضافيًا. وهنا يبرز الدور الحاسم للأسرة والأصدقاء، حيث لا ينبغي انتظار موافقة المريض أو استعداده، لأنه في هذه المرحلة قد لا يطلب المساعدة ولن يقبلها بسهولة. يصبح التدخل الإيجابي ضرورة، وقد يتطلب الأمر اتخاذ خطوات عملية، مثل الاستعانة بمتخصص نفسي داخل المنزل أو التحرك المباشر لحماية المريض. هذا النوع من التدخل لا يُعد انتهاكًا لحرية الفرد، بل هو إنقاذ له في لحظة فقد فيها القدرة على اتخاذ القرار المتوازن، وهو ما يشبه التدخل في حالات الإدمان أو الأزمات الصحية الخطرة.
ولا يقتصر الأمر على التعامل مع الأزمات بعد وقوعها، بل يمتد إلى أهمية الدور الوقائي في بناء ما يُعرف بالصمود النفسي، وهو القدرة على التعامل مع الضغوط والتكيف معها دون الانهيار. ويتطلب ذلك تبني برامج علمية متخصصة يتم نشرها على نطاق واسع، مع تفعيل دور الإعلام في تقديم محتوى هادف يعزز مهارات تحمل الضغوط، والتقبل النفسي، وحل المشكلات، واتخاذ القرار. كما أن بناء ثقافة عامة تشجع على طلب المساعدة، بدلًا من كتمان الألم أو الاستسلام له، يمثل خطوة أساسية في حماية المجتمع.
وفي هذا الإطار، يؤكد حزب الإصلاح والنهضة على أهمية تمكين الأخصائيين النفسيين من أداء دورهم بشكل أكثر فاعلية ومرونة داخل المجتمع. فبدلًا من الاكتفاء بنموذج انتظار المريض داخل العيادات، يجب الانتقال إلى نموذج الوصول إلى المريض، خاصة في الحالات التي تعجز عن طلب المساعدة. ويشمل ذلك تفعيل آليات للتدخل الميداني داخل البيئات المختلفة، بما يضمن الوصول للحالات الحرجة في الوقت المناسب، دون تحميل منظومة الصحة أعباء إضافية، من خلال إعادة تنظيم الموارد وتوسيع نطاق العمل المجتمعي.
وعند وجود خطر وشيك أو أفكار انتحارية، يصبح التحرك الفوري ضرورة لا تقبل التأجيل. فالمستشفيات النفسية متاحة في مختلف المحافظات، وأقسام الطوارئ تعمل على مدار الساعة لتقديم الدعم اللازم في بيئة آمنة. كما يمكن التواصل مع الخط الساخن للأمانة العامة للصحة النفسية للحصول على الإرشاد والمساعدة المتخصصة، وهو أحد الأدوات المهمة التي تتيح التدخل السريع في اللحظات الحرجة.
كما لا يمكن إغفال دور دعم الأسر، خاصة في ظل الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي قد تزيد من حدة الأزمات النفسية. وفي هذا السياق، يمثل خط نجدة الطفل أحد الوسائل المهمة لتقديم الدعم والإرشاد، والمساهمة في الحفاظ على تماسك الأسرة، وتقديم حلول عملية تساعدها على تجاوز الأزمات.
إن الألم النفسي، مهما كان شديدًا، ليس نهاية الطريق، بل هو حالة يمكن التعامل معها وعلاجها عندما يتوفر الدعم المناسب. ولا يجب أن تُترك لحظة ضعف أو معاناة لتحدد مصير إنسان، فدائمًا هناك فرصة لبداية جديدة، ودائمًا هناك من يمكنه أن يساعد لكي تصل الرسالة واضحة لكل من يعاني … رسالة خلاصتها … نحن معكم… ولستم وحدكم.