الإصلاح والنهضة هو حزب مدني يحتضن دون تمييز جميع المواطنين وينطلق من أرضية مشتركة لترسيخ دعائم الدولة المدنية وإحترام سيادة القانون والدستور والمواطنة والتعددية
التعليم الفني في مصر.. قراءة في “فلسفة الإقصاء” وهياكل الدرجة الثانية
حسن رمضان
امين لجنة التعليم التكنولوجي
شارك
على مدار سنوات من الاحتكاك المباشر بقطاع التعليم التكنولوجي، ومن واقع معايشتنا اليومية لتفاصيل الورش، وطموحات الطلاب، ومعوقات سوق العمل، لم يعد الصمت مقبولاً تجاه تلك “الفلسفة غير المعلنة” التي تدار بها منظومة التعليم الفني في مصر. إن القائمين على العملية التعليمية، ورغم كل محاولات التجميل، لا يزالون يرسخون في جوهر سياساتهم أن التعليم الفني هو “الخيار البديل” أو “تعليم الدرجة الثانية”.
إن هذه الرؤية ليست مجرد انطباع، بل هي واقع نلمسه في دلالات صادمة:
1. الفرز القسري بـ “سيف المجموع”
من أرض الواقع، نرى كيف يتم “نفي” الطلاب إلى التعليم الفني بناءً على درجات الإعدادية. هذا النظام لا يبحث عن “شغف” الطالب بالبرمجيات أو الميكانيكا، بل يستخدم التعليم الفني كـ “مصب فني” لمن تعثر في ماراثون الحفظ والتلقين. هذه الدلالة تؤكد أن المنظومة ترى في التعليم الفني مخزناً لمن لا مكان لهم في النخبة الأكاديمية، وليس مساراً احترافياً مستقلاً.
2. الفجوة بين “النص” و”الواقع” في التطوير
بينما نشهد صخبا إعلامياً حول التحول الرقمي، نجد أن التطور الحقيقي لا يزال محصوراً في “جزر معزولة”. فبرغم ظهور المدارس التكنولوجية التطبيقية والجامعات التكنولوجية كخطوات جادة ومقدرة نحو تصحيح المسار، إلا أنها تظل “استثناءات مضيئة” في بحر من الإهمال.
الدلالة: إن حصر الجودة في عدد محدود من المدارس الدولية أو التكنولوجية بـ “مصاريف مرتفعة” أو “شروط خاصة”، يثبت أن السياسة العامة لا تزال تعتبر التعليم الفني الحكومي الشامل مشروعاً مؤجلاً أو ثانوياً.
3. “السقف الزجاجي” للطموح التكنولوجي
إن الاحتكاك الميداني بخريجينا يكشف مرارة الشعور بـ “السقف الزجاجي”. فالمسارات القانونية واللوائح الوظيفية لا تزال تعامل خريج الفني -حتى المتميز منه- كعنصر تنفيذي بحت، وتضع العراقيل أمام استكماله للدراسات العليا إلا من خلال “خرم إبرة” التنسيق والمعادلات المعقدة. هذا الحصار الأكاديمي هو أبلغ دليل على أن القائمين على التعليم يريدون “عاملاً” لا “تكنولوجياً مبتكراً”.
4. التمويل.. لمن الغلبة؟
إذا نظرنا لميزانيات التطوير، سنجد أن الأولوية دائماً ما تذهب لترميم واجهة التعليم العام، بينما تُترك المدارس الفنية بمعدات تعود لزمن “الثورة الصناعية الأولى”. إن استمرار وجود “خريج فني” لم يلمس ماكينة حديثة طوال سنوات دراسته هو إدانة مباشرة لمنهجية إدارة هذا الملف.
كلمة أخيرة من قلب الميدان
إننا في اتحاد شباب التكنولوجيين، ومن واقع خبرتنا التي تمتد لسنوات في هذا الملف، نثمن الخطوات التي اتُخذت لإنشاء الجامعات التكنولوجية، لكننا نحذر من تحويلها إلى مجرد “مسكنات” أو “بريستيج مؤسسي” لا يغير من واقع ملايين الطلاب في المدارس الفنية المتهالكة.
إن التحول الحقيقي يبدأ عندما يسقط “برج العاج” الذي ينظر منه المسؤول للتعليم الفني، وعندما يصبح “التكنولوجي” شريكاً في القرار، لا مجرد رقم في كشوف البطالة المقنعة. نحن لا نحتاج لوعود، نحن نحتاج لـ “عدالة تعليمية” تضع المشرط في مكان الجرح.