الإصلاح والنهضة
الإصلاح والنهضة هو حزب مدني يحتضن دون تمييز جميع المواطنين وينطلق من أرضية مشتركة لترسيخ دعائم الدولة المدنية وإحترام سيادة القانون والدستور والمواطنة والتعددية

الإنصات العقابي.. حين يفقد المواطن الثقة فيمن يخاطبه

بقلم: الأستاذ/ الحسيني الكارم نائب رئيس حزب الإصلاح والنهضة لشؤون المحافظات

بصرف النظر عن الانتماءات السياسية للفائزين والخاسرين في الانتخابات الأمريكية، فإن ما جرى يستحق أن يكون درسًا يُدرَّس في السياسة والإعلام وإدارة الرأي العام.
ملايين الدولارات أُنفقت، ولوبيات تحركت، وشخصيات سياسية تمتلك خبرات تتجاوز ثلاثين عامًا في صناعة القرار الأمريكي والدولي دخلت المعركة بكل ثقلها، ومع ذلك بقيت الكلمة الأخيرة للناخب، الذي لم يعد بالضرورة يستجيب للمال السياسي أو الرسائل الإعلامية التقليدية.
وأعتقد أننا بحاجة إلى الاعتراف بأن العالم قبل السابع من أكتوبر 2023 ليس كما بعده، خاصة فيما يتعلق بدور وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الوعي العام. فقد استطاعت هذه المنصات نقل صور ومشاهد وأحداث إلى ملايين البشر، بصورة لم تتمكن الدبلوماسية التقليدية أو البيانات الرسمية أو الاجتماعات الدولية وحدها من تحقيق تأثير مماثل لها.
لقد تغيرت قواعد اللعبة، بينما لا تزال بعض الحكومات والمؤسسات الإعلامية تتعامل مع المواطن بالأدوات القديمة نفسها؛ خطابات وشعارات ووجوه مكررة، دون إدراك أن معايير التأثير والمصداقية تغيرت جذريًا.
اليوم، يستطيع المواطن بباقـة إنترنت بعشرين جنيهًا أن يرى ويسمع ويقارن ويكوّن رأيه خلال دقائق، سواء كانت المعلومات التي تصل إليه صحيحة أو مضللة أو مغرضة. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية؛ فالمشكلة لم تعد فقط في وصول المعلومات الخاطئة، وإنما في تراجع ثقة المواطن في المصادر التي يُفترض أنها الأقدر على تقديم الحقيقة.
والأخطر أننا قد نكون أمام ظاهرة تستحق الدراسة، يمكن تسميتها بـ«الإنصات العكسي» أو «الإنصات العقابي»، حين يفقد المواطن ثقته في شخصية أو مؤسسة إعلامية، فيرفض رسائلها حتى وإن كانت صحيحة، ويتجه عمدًا إلى الاستماع لمصادر أخرى، ليس بالضرورة اقتناعًا بها، وإنما رد فعل على من فقد ثقته فيه.
وهذا يشبه إلى حد كبير «التصويت العقابي»، حين لا يصوّت الناخب تأييدًا لمرشح بقدر ما يصوّت رفضًا لآخر. وربما يكون أحد الدروس التي تستحق التأمل في الانتخابات الأمريكية، رغم ما أُنفق فيها من أموال وما تحرك خلالها من جماعات ضغط.
ومن هنا، فإن التحدي أمامنا في مصر ليس مجرد مواجهة الشائعات أو زيادة حجم الرسائل الإعلامية، وإنما استعادة الثقة في مصدر الرسالة نفسه، وتجديد الوجوه والأدوات، واحترام عقل المواطن، والانتقال من إعلام يكتفي بالكلام إلى إعلام يستمع ويشرح ويصارح.
فالمصداقية لا تُفرض بكثرة الظهور، والثقة لا تُستعاد بتكرار الخطاب، وإنما بالصدق والشفافية والقدرة على الاعتراف بالمشكلة قبل محاولة إقناع المواطن بحلها.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغل كل مسؤول عن الإعلام والاتصال السياسي:
هل ندرك خطورة أن يتحول المواطن من الاستماع إلينا إلى الاستماع لغيرنا، لا لأنه يثق فيهم بالضرورة، ولكن لأنه لم يعد يثق فينا؟
إن أخطر ما قد تواجهه أي مؤسسة ليس أن يختلف معها المواطن، بل أن يصل إلى مرحلة لا يريد فيها الاستماع إليها أصلًا