الإصلاح والنهضة
الإصلاح والنهضة هو حزب مدني يحتضن دون تمييز جميع المواطنين وينطلق من أرضية مشتركة لترسيخ دعائم الدولة المدنية وإحترام سيادة القانون والدستور والمواطنة والتعددية

حرب الذهب الأسود.. القوات المسلحة في مواجهة عصابات الدهابة

بقلم: اللواء أ.ح الدكتور محمد الشهاوي رئيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالحزب

في قلب الصحراء الشرقية، حيث تلمع عروق الذهب في باطن الجبال منذ عهد الفراعنة، تدور اليوم حرب صامتة لا تقل خطورة عن حرب الإرهاب. ليست حرباً بالدبابات، بل حرب ضد معاول وحفارات تعمل في جنح الظلام، تنهش في جسد الاقتصاد المصري.
إنهم “الدهابة”.. الاسم الشعبي للباحثين غير الشرعيين عن الذهب. تحولت الظاهرة من هواية فردية لبسطاء يحلمون بالثراء، إلى شبكات منظمة تديرها عصابات دولية، وتستخدم الخارجين عن القانون، وتستنزف مليارات الجنيهات من احتياطي مصر الاستراتيجي، وتهدد أمنها القومي مباشرة.
أولاً: ما الذي يحدث في الجبل؟
منطقة الامتياز تمتد من أسوان حتى حلايب وشلاتين ومرسى علم، وهي منطقة عمليات للقوات المسلحة – المنطقة الجنوبية وحرس الحدود.
العصابات لا تعمل بشكل عشوائي:
١. تدخل بمعدات ثقيلة: لوادر، حفارات، كسارات أحجار، ومواد شديدة الخطورة مثل الزئبق والسيانيد لفصل الذهب.
٢. تستخدم طرق تهريب دولية: الذهب الخام يهرب عبر دروب صحراوية إلى السودان وتشاد ومنها إلى دبي، حيث يعاد صهره وبيعه بلا دمغة مصرية.
٣. تستغل الخارجين عن القانون: الدهابة أصبحوا غطاء لتجار مخدرات ومهربي سلاح وهاربين من أحكام. الجبل بلا دولة هو ملاذ آمن لهم.
ثانياً: لماذا هي قضية أمن قومي؟
الخطر ليس اقتصادياً فقط:
١. تهديد الثروة القومية:
مصر تملك احتياطياً مؤكداً أكثر من 14 مليون أوقية ذهب. كل كيلو يهرب هو خسارة مباشرة للدولة من الضرائب وحق الامتياز والدمغة. تقديرات خبراء التعدين: التهريب غير الشرعي يهدر ما بين 2 إلى 4 مليارات جنيه سنوياً.
٢. تدمير بيئي كارثي:
استخدام الزئبق والسيانيد يسمم المياه الجوفية والتربة لعشرات السنين. الحفر العشوائي يدمر مواقع أثرية فرعونية ورومانية في الصحراء الشرقية لا تقدر بثمن.
٣. بوابة الجريمة المنظمة:
التحقيقات تكشف أن نفس شبكات التهريب التي تهرب الذهب، هي التي تهرب السلاح والمخدرات والبشر. تأمين الجبل يعني تأمين الحدود الجنوبية كلها. الدهابة باب خلفي لتسليم وتسلم الخارجين عن القانون بين مصر والسودان.
٤. زعزعة الأمن الاجتماعي:
ظهور الثراء المفاجئ لعصابات الدهابة يغري الشباب بترك التعليم والوظائف والذهاب للموت في آبار غير آمنة تنهار عليهم يومياً. سجلت حوادث انهيار أودت بحياة 20 شاباً في عام واحد فقط.
ثالثاً: ماذا فعلت القوات المسلحة؟
القوات المسلحة لم تترك الملف لوزارة البترول وحدها، بل اعتبرته مهمة قتالية:
– الضربات الاستباقية: قوات حرس الحدود والمنطقة الجنوبية نفذت خلال العامين الماضيين أكثر من 1500 مداهمة، ضبطت 1200 فرد، وصادرت 300 لودر وحفار و1500 جهاز كشف ذهب وطني أسطواني أطنان من الأحجار المحملة بالذهب.
– إغلاق الشرايين: إقامة كمائن ثابتة ومتحركة ونقاط تفتيش إلكترونية على مدقات التهريب الرئيسية، واستخدام طائرات الاستطلاع بدون طيار لمراقبة 1100 كم من الحدود الجنوبية.
– القضاء على البؤر: نسف وتدمير مئات الآبار العشوائية وبرك السيانيد السامة التي أنشأتها العصابات.
– التنسيق السيادي: التعاون مع هيئة الثروة المعدنية وشركة شلاتين للثروة المعدنية لتحويل الدهابة البسطاء إلى عمال مقننين داخل منظومة الدولة بدلاً من مطاردتهم فقط.
الرسالة الأهم: الدولة لا تحارب المواطن الباحث عن رزق، الدولة تحارب العقل المدبر.. المافيا الدولية التي تستأجر المواطن بـ 200 جنيه يومياً وتأخذ هي ملايين الدولارات.
إن معركة الذهب هي معركة وعي قبل أن تكون معركة سلاح. كل جرام ذهب يهرب من جبل العلاقي أو وادي الحماطة، هو رصاصة في قلب الاقتصاد المصري، وسم في مياهنا، وملجأ لمجرم هارب.
إن ما تفعله القوات المسلحة اليوم في صحراء مصر الشرقية لا يقل وطنية عن ما فعلته في سيناء. هناك كان العدو يرفع علماً أسود، وهنا العدو يرفع فأساً يسرق به مستقبل أولادنا.
حماية الذهب ليست حماية لمعدن، بل حماية لسيادة.. فمن يفرط في ذهب أرضه، يفرط غداً في أرض ذهبه