الإصلاح والنهضة
الإصلاح والنهضة هو حزب مدني يحتضن دون تمييز جميع المواطنين وينطلق من أرضية مشتركة لترسيخ دعائم الدولة المدنية وإحترام سيادة القانون والدستور والمواطنة والتعددية

انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.. ترامب بين خسارة الداخل وتعقيدات الخارج

بقلم: الدكتور مصطفى كُريِّم مساعد رئيس حزب الإصلاح والنهضة وأمين السياسات العامة

لم تكن انتخابات التجديد النصفي الأمريكية مجرد منافسة على مقاعد الكونجرس، وإنما اختبارًا سياسيًا لإدارة الرئيس دونالد ترامب بعد عامين من عودته إلى البيت الأبيض، في وقت تتداخل فيه الأزمات الاقتصادية الداخلية مع صراعات دولية باتت الولايات المتحدة طرفًا مباشرًا في بعضها.
لغة الأرقام تحمل الرسالة الأولى. فقد نجح الديمقراطيون، وفق النتائج المعلنة حتى الآن، في انتزاع السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، بعد مكاسب تجاوزت عشرين مقعدًا في مجلس النواب، وانتزاع سبعة مقاعد على الأقل في مجلس الشيوخ من الجمهوريين. وهي تحولات تعكس تراجعًا في التأييد الشعبي لسياسات الإدارة، خاصة مع ارتفاع تكاليف المعيشة والتداعيات الاقتصادية للحرب مع إيران.
لكن السؤال الأهم ليس ما خسره ترامب انتخابيًا، وإنما ما الذي سيتغير في قدرته على الحكم خلال العامين المقبلين؟
فالرئيس الأمريكي سيظل محتفظًا بصلاحيات واسعة في إدارة السياسة الخارجية والقرارات العسكرية، لكنه سيواجه كونجرسًا قادرًا على تعطيل أولوياته التشريعية، والتدقيق في الإنفاق العسكري، ومساءلة إدارته. وهنا تبرز احتمالات التفاوض مع الديمقراطيين، أو الدخول في صدام مؤسسي، أو زيادة الاعتماد على الصلاحيات التنفيذية، خاصة في الملفات الخارجية.
وفي أوكرانيا، قد تدفع الأغلبية الديمقراطية الجديدة نحو زيادة الدعم العسكري والمالي لكييف، بما يرفع تكلفة استمرار الحرب على موسكو ويضيق هامش المناورة أمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
لكن تداعيات هذا السيناريو قد لا تتوقف عند الحدود الأوروبية؛ فزيادة الضغوط الغربية على روسيا قد تدفع موسكو إلى تعميق تعاونها العسكري والاستخباراتي مع إيران، ليس فقط لدعم شريك استراتيجي، وإنما لامتلاك أوراق ضغط إضافية على واشنطن، وتشتيت اهتمامها ومواردها بين أكثر من ساحة صراع.
وهنا قد نجد أنفسنا أمام معادلة جيوسياسية أكثر تعقيدًا؛ فكلما زاد الضغط على روسيا في أوكرانيا، زادت احتمالات توظيف علاقاتها مع إيران لتعزيز قدرتها على المناورة في الشرق الأوسط، بما قد يفاقم التوترات الإقليمية ويزيد الضغوط على أمن الخليج والممرات البحرية وأسواق الطاقة.
ومع ذلك، لا يمكن اعتبار هذا السيناريو حتميًا؛ فروسيا تدرك أيضًا أن التصعيد الإقليمي الواسع قد يستنزف مواردها ويضر بعلاقاتها مع قوى إقليمية أخرى، ولذلك قد تفضل تقديم دعم محسوب لطهران دون الانخراط المباشر في مواجهة أوسع.
أما إيران، فتمثل اختبارًا مباشرًا لإدارة ترامب، بين الاستمرار في التصعيد وما يفرضه من أعباء اقتصادية وسياسية، وبين البحث عن تسوية دبلوماسية. غير أن تداخل الملف الإيراني مع الصراع الروسي الغربي قد يجعل أي تسوية أكثر تعقيدًا، بعدما أصبحت الأزمات الدولية مترابطة، ولم يعد من الممكن التعامل مع كل منها بمعزل عن الأخرى.
وبالنسبة لمصر، فإن القراءة الاستراتيجية لهذه النتائج لا ينبغي أن تنشغل فقط بمن يسيطر على الكونجرس أو البيت الأبيض، وإنما بكيفية انعكاس التوازنات الأمريكية الجديدة على أمن البحر الأحمر، واستقرار الخليج، والقضية الفلسطينية، وأسعار الطاقة، وحركة التجارة العالمية وقناة السويس.
فالانتخابات الأمريكية قد تغير موازين القوة داخل واشنطن، لكنها لا تغير بالضرورة المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة، وإنما تعيد تشكيل أدوات تحقيقها وحدود الحركة المتاحة لإدارتها.
وهنا تكمن المفارقة: قد يخرج ترامب من الانتخابات أقل قدرة على تمرير قراراته في الداخل، لكن الصراع على تقييد حركته قد يفتح الباب أمام تفاعلات دولية أكثر تعقيدًا، يصبح فيها الضغط على روسيا في أوكرانيا عاملًا إضافيًا في توتر الشرق الأوسط، ليدفع العالم ثمن صراعات لا تعترف بحدود الجغرافيا.