الإصلاح والنهضة
الإصلاح والنهضة هو حزب مدني يحتضن دون تمييز جميع المواطنين وينطلق من أرضية مشتركة لترسيخ دعائم الدولة المدنية وإحترام سيادة القانون والدستور والمواطنة والتعددية

قراءة فيما وراء الزيارة الصينية… من شراكة التاريخ إلى حسابات المستقبل

بقلم: الدكتور مصطفى كُريِّم مساعد رئيس حزب الإصلاح والنهضة وأمين السياسات العامة

في السياسة، لا تُقرأ الزيارات الكبرى فقط من خلال مراسم الاستقبال أو الاتفاقيات، وإنما من خلال التوقيت، واختيار الكلمات، والرسائل التي يحرص كل طرف على إرسالها إلى الآخر… وإلى العالم.
ومن هذه الزاوية، تستحق زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر قراءة أبعد من كونها زيارة لرئيس دولة كبرى إلى القاهرة، خاصة أنها تأتي في لحظة شديدة الحساسية إقليميًا ودوليًا، وفي ظل تحولات متسارعة في موازين القوة والاقتصاد والتكنولوجيا.
واللافت في خطابي السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس شي جين بينغ أن كليهما استدعى التاريخ، لكنه اتجه سريعًا إلى المستقبل. فالخطاب المصري ركز على التنمية والتكنولوجيا والصناعة، بما يؤكد أن المصلحة المصرية ليست في علاقة “سوق ومورد”، وإنما في إنتاج مشترك، وتوطين للصناعة، ونقل للتكنولوجيا والمعرفة، وزيادة الصادرات المصرية.
وفي المقابل، حمل الخطاب الصيني دلالات تتجاوز الاقتصاد، من خلال الحديث عن استقلال القرار، والتعاون بين الدول النامية، واستقرار المنطقة وحماية الممرات الملاحية. فالصين ترى مصر بوابة لأفريقيا والعالم العربي، ودولة تطل على أحد أهم شرايين التجارة العالمية، وتمتلك ثقلًا سياسيًا وحضاريًا لا يمكن تجاوزه.
وفي هذا السياق، يأتي تأكيد مصر دعمها لمبدأ “الصين الواحدة”، بما يعكس احترام وحدة الدول وسيادتها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. وفي المقابل، تكتسب مواقف الصين الداعمة لاستقرار الشرق الأوسط، ورفض توسيع الصراعات، والدعوة إلى الحلول السياسية، أهمية خاصة لمصر في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب.
لكن العلاقة المصرية الصينية يجب أيضًا أن تُقرأ في إطار جيوسياسي عالمي أوسع. فالعالم يشهد إعادة تشكيل لموازين القوة ومراكز الإنتاج والتكنولوجيا والتجارة، ومصر بموقعها بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، وبقناة السويس ومكانتها العربية والأفريقية والمتوسطية، تقع في قلب هذه التحولات لا على هامشها.
ومع ذلك، فالقراءة الصحيحة للزيارة ليست أن مصر “تتجه شرقًا” بدلًا من الغرب أو تستبدل حليفًا بآخر. القاهرة تتحرك وفق مفهوم تنويع الشراكات والتوازن الاستراتيجي؛ علاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا، وشراكة متنامية مع الصين، وعلاقات مع روسيا، وحضور داخل تجمعات مثل BRICS، دون أن يعني الاقتراب من طرف الابتعاد عن آخر.
وهذا أحد أهم معاني الاستقلال الاستراتيجي: ألا تُجبر الدولة نفسها على الاختيار بين القوى الكبرى، بل تجعل موقعها ومصالحها وثقلها سببًا في أن تسعى هذه القوى إلى الشراكة معها.
ويبقى الاختبار الحقيقي بعد انتهاء الزيارة: كم مصنعًا سنوطّن؟ كم تكنولوجيا سننقل؟ كم فرصة عمل سنخلق؟ وكم منتجًا مصريًا سنفتح أمامه أسواقًا جديدة؟ فالسياسة الخارجية الناجحة لا تنتهي عند الصورة التذكارية بين الزعماء، وإنما تبدأ منها.
وهذه ربما تكون أهم دلالات الزيارة: التاريخ يمنح مصر مكانتها، والجغرافيا تمنحها الفرصة، لكن قدرتنا على تحويل الاثنين إلى صناعة وتكنولوجيا واستثمار ونفوذ هي التي ستحدد موقع مصر في عالم يعاد تشكيله أمام أعيننا.