النخبة والتنمية

23439491_10155061158767919_1737669103_n

 

تنقسم المجتمعات إلى طبقات وتأخذ الشكل الهرمي ففي أعلى الهرم توجد الطبقة الحاكمة وهي مكونة من الحاكم ومعاونيه من الوزراء، وتليها طبقة النخبة وهي مكونة من السياسيين والمفكرين والأدباء والفنانين وكبار رجال الأعمال، ثم تأتي طبقة عامة الشعب وهي بالطبع مقسمة داخليًا إلى طبقة وسطى وطبقة أدنى، والنخبة تعد هي حلقة الوصل بين الحكام والشعوب.

 

تكتسب النخبة تلك المكانة بسبب ما تمتلكه من أدوات القوة والتأثير في المجالات المختلفة، وهذا يميزها عن طبقة عامة الشعب، فأغلب الشعوب بأعدادها الغفيرة لا تستطيع تنظيم أنفسها وتوحيد جهودها إضافة إلى عدم تماسكها كوحدة واحدة، على خلاف النخبة صغيرة الحجم التي تستطيع التنسيق فيما بينها وتنظيم عملها ودوائر تأثيرها إضافة إلى ما تمتلكه من قوة اقتصادية وسياسية واجتماعية تؤهلها لقيادة الشعوب، فالنخبة عادة ما تكون صغيرة الحجم كبيرة التأثير، وهذه العلاقة بين النخبة والشعب تختلف عن العلاقة بين النخبة والدولة أو الحاكم.

 

فعلاقة الدول والأنظمة الحاكمة مع النخب تختلف من دولة إلى أخرى، فهناك دول تسمح بمساحات كبيرة للنخب وتحركاتها وهناك دول تعمل على تقييد النخب وتفتيتها أو إذا أردنا تعبيرًا أدق فإن هناك ظروف وسياقات تاريخية أدت إلى وجود نخب منظمة وقوية عملت على وجود توازن وترشيد لقوة الحاكم والدولة، وهناك ظروف وسياقات تاريخية أخرى أدت إلى وجود نخب ضعيفة ومفتتة فملأت الدولة هذه المساحات وعملت على إضعاف النخبة أكثر فأكثر.

 

وتاريخ أوروبا الحديث يذكر لنا كيف تكونت نخبة قوية في إنجلترا في نهايات القرن السابع عشر وبدايات القرن الثامن  عشر أدت إلى نشوء أحد أعرق الديمقراطيات وأحد أقوى الإمبراطوريات في العالم علي خلاف ما حدث في أسبانيا من تفتت للنخبة وطغيان للملكية آنذاك، وذلك الاختلاف يتم تفسيره بسياق الأحداث التاريخية، فعندما احتلت أسبانيا دول أمريكا الجنوبية وكانت مليئة بمناجم الذهب والفضة وبالتالي أصبحت تلك الدول الجديدة مصادر تمويلية ضخمة للمملكة الأسبانية ولحكامها لتمويل مشروعاتهم وحروبهم وبهذا استغني الحاكم عن وظيفة النخبة الأساسية ومصدر قوتهم وهو جمع الضرائب من الرعايا في المقاطعات المختلفة، بل وبسبب قوة الملك الاقتصادية والسياسية بدأ في تفريقهم وإضعاف قوتهم أكثر فأكثر.

أما في حالة إنجلترا فكانت دول أمريكا الشمالية فقيرة من ثروات الذهب والفضة في ذلك الوقت بل دائما ما كانت المستعمرات الإنجليزية في حاجة إلى الموارد المالية والبشرية من إنجلترا، ولتوفير الموارد المالية لبناء المستعمرات ولتمويل الحروب الاستعمارية على مستوى العالم لم يجد ملوك إنجلترا حلًا إلا جمع مزيد من الضرائب، مما يعنى اللجوء إلى طبقة الإقطاعيين (النخبة) والتفاوض معهم لجمع مزيد من الضرائب من مقاطعاتهم، وبالتالي أصبحت النخبة في موضع أكثر قوة وأصبح هناك توازن بين قوة الحاكم وقوة النخب الممثلة للشعب، ومن هنا ظهرت قوة البرلمان الإنجليزي والتي استمرت علي مر التاريخ، حتى أنه ظهر مصطلح سياسي مفاده “لا ضرائب بدون تمثيل”.

 

وتاريخ الدول والشعوب مليء بالتجارب الناجحة والفاشلة فيما يتعلق بدور النخبة وأثره على التنمية فتحريم الطباعة من قبل النخبة الدينية في الدولة العثمانية وتأثر القيادة السياسية بهذا حتى أن السلطان العثماني أصدر فرمانًا بتحريم الطباعة في نهاية القرن الخامس عشر، مما أدى إلى تأخر ظهور الطباعة في بلاد المسلمين لأكثر من ٢٠٠ عام مما كان له أكبر الأثر في تأخر معدلات انتشار العلوم والتعلم ومحو الأمية في بلاد المسلمين عن بلاد أوروبا.

 

ومثال آخر في أوروبا ذاتها، فقد كانت هناك بعض النخب التي كانت تعارض بشدة الثورة الصناعية لأنها في نظرهم ستزيد من معدلات البطالة، فاختراع ماكينات الغزل والنسيج الآلية يعنى ببساطة تسريح أعداد ضخمة من عمال الغزل والنسيج اليدوي مما يفاقم من تدهور الأوضاع الاقتصادية.

 

وشكل النخب في دول أفريقيا الفقيرة يشرح لنا لماذا تتعثر جهود الإصلاح فالتقسيم القبلي للمجتمعات الأفريقية كان دائما ما يحول دون قيام دولة مركزية قوية تنهض وتقوى على أكتافها تلك المجتمعات، لأن نخب تلك الدول وهم زعماء القبائل لا يقبلون بسيادة الدولة وكل زعيم قبيلة يرى في نفسه أنه الأجدر بقيادة الدولة وكل منهم يخشي من غدر الآخرين، وفي النهاية يبقى الوضع مفتت ولا توجد دولة قوية تقوم بإقرار القانون وتنفيذ المشروعات الكبرى وتحريك عجلة التنمية.

 

والخلاصة أن أحد مفاتيح قراءة التجارب التنموية للدول يتمثل فهم مدى أهمية دور النخبة الإيجابي أو السلبي تجاه العملية التنموية، وعلى هذه النخبة أن تتميز بعدة صفات أهمها أن تكون النخبة وطنية، تمتثل القيم المثلى لمجتمعاتها وتحرص علي المصلحة العامة للدولة والشعب، وتفضل الصالح العام علي المصالح الحزبية أو الفئوية الخاصة، وأن تتحد تلك النخب وتنبذ الفرقة والتشتت لأن في فرقتها يكمن ضعفها وتفقد التوازن مع قوة الدولة والحاكم وتفقد كثيرًا من أدوارها الهامة في تنمية ونهوض المجتمع

وحدة الدراسات الاستراتيجية .. أمانة السياسات العامة

حزب الاصلاح و النهضة

تعليقات الزوار