الإصلاح والنهضة
الإصلاح والنهضة هو حزب مدني يحتضن دون تمييز جميع المواطنين وينطلق من أرضية مشتركة لترسيخ دعائم الدولة المدنية وإحترام سيادة القانون والدستور والمواطنة والتعددية

مصر واليوم العالمي للمشروعات الصغيرة والمتوسطة… من دعم الفكرة إلى قيادة المستقبل

بقلم: الدكتورة/ أروى أحمد، أمين لجنة ريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، بأمانة السياسيات

في السابع والعشرين من يونيو من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للمشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، وهي مناسبة أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2017 تقديراً للدور الذي تؤديه هذه المشروعات في تحقيق التنمية الاقتصادية، وتوفير فرص العمل، وتعزيز الابتكار والتنمية المستدامة.
وقد كانت مصر من الدول التي دعمت هذا التوجه مبكراً، وشاركت عبر المجلس الدولي للمشروعات الصغيرة (International Council for Small Business – ICSB) في الجهود التي قادت إلى اعتماد هذا اليوم عالمياً، وهو ما يعكس اهتماماً مصرياً مبكراً بقضايا ريادة الأعمال وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
واليوم، وبعد سنوات من اعتماد هذه المناسبة، يبرز سؤال أكثر أهمية من الاحتفال نفسه: كيف تنتقل مصر من دعم هذه الفكرة عالمياً إلى تقديم نموذج إقليمي رائد في تطوير قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة؟
لا شك أن الدولة المصرية أولت خلال السنوات الأخيرة اهتماماً متزايداً بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة، من خلال توسيع برامج التمويل، وتطوير البيئة التشريعية، وتعزيز دور الجهات المعنية بريادة الأعمال والتنمية الاقتصادية. وأسهمت هذه الجهود في ترسيخ مكانة هذا القطاع باعتباره أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل.
لكن العالم اليوم يتغير بوتيرة غير مسبوقة. فالتحولات التكنولوجية، والتغيرات المناخية، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، وصعود الاقتصاد الرقمي، جميعها تعيد رسم قواعد المنافسة. ولم يعد نجاح المشروعات الصغيرة والمتوسطة يقاس فقط بقدرتها على الحصول على التمويل، بل بقدرتها على الابتكار، والتكيف، والنمو، والوصول إلى الأسواق المحلية والعالمية.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تستدعي تطوير منظومة دعم أكثر شمولاً، تنظر إلى المشروع باعتباره جزءاً من اقتصاد المستقبل، لا مجرد نشاط اقتصادي يحتاج إلى تمويل.
الذكاء الاصطناعي يمثل أحد أهم هذه التحولات. فقد أطلقت مصر النسخة الثانية من استراتيجيتها الوطنية للذكاء الاصطناعي 2025–2030، واضعة هدفاً واضحاً لتعزيز مساهمة هذه التكنولوجيا في الاقتصاد الوطني. والتحدي الحقيقي اليوم هو أن تصبح تطبيقات الذكاء الاصطناعي متاحة أيضاً للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، بما يمكنها من تحسين الإنتاج، ورفع الكفاءة، وتحليل الأسواق، واتخاذ قرارات أكثر دقة، بما يعزز قدرتها التنافسية.
وفي الوقت نفسه، أصبح الاقتصاد الأخضر أحد المحددات الرئيسية لدخول الأسواق الدولية. فمعايير الاستدامة لم تعد خياراً إضافياً، بل أصبحت جزءاً من متطلبات التجارة العالمية. ومن ثم، فإن دعم المشروعات الصغيرة للتحول نحو ممارسات إنتاج أكثر استدامة يمثل استثماراً في قدرتها على المنافسة خلال السنوات المقبلة.
أما التصدير، فهو المعيار الحقيقي لنجاح أي منظومة اقتصادية تستهدف النمو. وتمتلك مصر العديد من المشروعات الواعدة في الصناعات الغذائية، والحرفية، والنسيجية، وغيرها من القطاعات ذات الميزة التنافسية. غير أن تعظيم مساهمة هذه المشروعات في الصادرات يتطلب ربطها بالأسواق العالمية، وتسهيل إجراءات النفاذ إليها، وتعزيز جاهزيتها للوفاء بالمعايير الدولية.
الإصلاح التنظيمي هو الوجه الآخر للدعم. فلا تكتمل منظومة دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة دون بيئة تنظيمية أكثر مرونة وكفاءة. فتبسيط الإجراءات، وتسريع تأسيس الشركات، وتقليل الأعباء الإدارية، والتوسع في الخدمات الحكومية الرقمية، كلها عوامل لا تقل أهمية عن التمويل نفسه. فالمستثمر وصاحب المشروع لا يبحث فقط عن مصادر للتمويل، بل يبحث أيضاً عن منظومة تساعده على الانطلاق والنمو بأقل قدر من التعقيد، وأكثر قدر من الوضوح والاستقرار.
ولا يقل أهمية عن ذلك الاستثمار في الشركات القائمة على التكنولوجيا العميقة (Deep Tech)، التي تعتمد على البحث العلمي والابتكار في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الزراعية، والتكنولوجيا المالية، والرعاية الصحية الرقمية. فهذا النوع من الشركات يمثل أحد أهم محركات الاقتصاد العالمي خلال العقد القادم، ويمكن أن يشكل فرصة حقيقية لمصر إذا ما توافرت له البيئة الداعمة.
كما أثبتت ريادة الأعمال النسائية أنها تمثل قوة اقتصادية حقيقية تستحق مزيداً من الدعم، ليس فقط في مرحلة تأسيس المشروعات، وإنما أيضاً في مراحل النمو والتوسع والوصول إلى الأسواق، بما يعزز مساهمة المرأة في التنمية الاقتصادية ويحقق استفادة أكبر من الطاقات الوطنية.
إن بناء منظومة متطورة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة لم يعد يرتبط بتوفير التمويل وحده، بل برؤية متكاملة تجمع بين التمويل، والإصلاح التنظيمي، والتحول الرقمي، والابتكار، والبحث العلمي، والانفتاح على الأسواق العالمية. فهذه العناصر مجتمعة هي التي تصنع بيئة قادرة على تحويل الأفكار الواعدة إلى شركات قادرة على المنافسة والنمو والاستدامة.
وفي حزب الإصلاح والنهضة، نؤمن بأن مستقبل الاقتصاد المصري لن يُبنى بالشركات الكبرى وحدها، بل أيضاً بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تمثل المصنع الأول للأفكار، والمدرسة الأولى لريادة الأعمال، والمحرك الأكثر قدرة على خلق فرص العمل والابتكار.
فالاحتفاء باليوم العالمي للمشروعات الصغيرة والمتوسطة لا ينبغي أن يكون احتفاءً بما تحقق فقط، بل فرصة لتجديد الرؤية، وتطوير السياسات، والاستعداد لاقتصاد يتغير بوتيرة غير مسبوقة. وإذا كانت مصر قد أسهمت في دعم فكرة الاحتفاء العالمي بهذا القطاع، فإن المرحلة المقبلة تفتح أمامها فرصة أكبر: أن تقدم نموذجاً وطنياً وإقليمياً في بناء منظومة حديثة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، تجعل من الابتكار والتنافسية والاستدامة أساساً للتنمية الاقتصادية خلال العقود القادمة.