
العنف بعد الانفصال… الزواج شراكة لا تملُّك
بقلم د .تهاني الشيخ عضو لجنة الصحة النفسية – أمانة السياسات العامة المركزية
أعادت واقعة مقتل سيدة على يد طليقها في الإسكندرية إلى الواجهة سؤالًا بالغ الأهمية: كيف يمكن لخلاف أسري أو انفصال زوجي أن ينتهي بجريمة تهز المجتمع؟
إن هذه الواقعة المؤلمة ليست مجرد قضية جنائية، بل هي جرس إنذار يدعونا إلى مراجعة ثقافة الزواج، وآليات الوقاية، ودور الصحة النفسية والإرشاد الأسري في حماية الإنسان قبل أن تقع المأساة.
فالزواج ليس علاقة تملك، وإنما علاقة اختيار وشراكة ومسؤولية، تقوم على المودة والرحمة والاحترام المتبادل. وحين تستحيل العِشرة، فإن إنهاء العلاقة بصورة كريمة لا يُعد فشلًا، بل قد يكون القرار الأكثر حكمة وإنسانية لجميع الأطراف.
ومن هنا نؤكد على مبدأ مجتمعي مهم: كما وفر المجتمع مدخلًا آمنًا للزواج، ينبغي أن يوفر أيضًا مخرجًا آمنًا إذا استحالت العِشرة. فليس من المنطقي أن تكون بداية العلاقة محاطة بالإجراءات والضمانات، بينما يظل الخروج منها محفوفًا بالخوف أو الانتقام أو العنف.
لقد أرست تعاليم الإسلام هذا المبدأ منذ قرون، فقال الله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقال أيضًا: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾. كما تؤكد التعاليم المسيحية على أن “المحبة تتأنى وترفق” (كورنثوس الأولى 13:4)، وأن “أيها الرجال، أحبوا نساءكم كما أحب المسيح الكنيسة” (أفسس 5:25)، وأن “كما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا أنتم أيضًا بهم” (لوقا 6:31). وجميعها قيم تؤكد أن العلاقة الإنسانية لا تُبنى على السيطرة أو الإيذاء، وإنما على الرحمة والاحترام.
ومن منظور الصحة النفسية، فإن الحب الحقيقي لا يقود إلى القتل أو الانتقام أو التملك، وإنما الذي قد يقود إلى ذلك هو التعلق المرضي، والغيرة المرضية، واضطرابات التحكم في الانفعالات، ورفض تقبل الانفصال. وهذه أنماط نفسية تحتاج إلى وعي وتدخل مبكر، ولا يجوز الخلط بينها وبين الحب.
كما أن من المهم أن نرسخ ثقافة جديدة، وهي أن نهاية زواج فاشل قد تكون بداية لحياتين أكثر استقرارًا ونجاحًا. فليس الهدف هو استمرار العلاقة بأي ثمن، وإنما بناء حياة صحية للطرفين وللأبناء.
وفي هذا السياق، فإن وجود طفل يعيش وسط بيت يمتلئ بالعنف والصراعات اليومية ليس بالضرورة أفضل من طفل ينتقل – في الحالات التي تسمح بذلك – بين منزلين هادئين، يتعاون فيهما الأب والأم على التربية المشتركة بما يحقق مصلحة الطفل. وقد طورت دول عديدة، مثل السويد والنرويج وألمانيا، إلى جانب كثير من الولايات في الولايات المتحدة، نماذج للرعاية المشتركة بعد الانفصال عندما تكون آمنة ومناسبة للطفل، مع اختلاف تطبيقها بحسب كل حالة وكل نظام قانوني. والهدف في النهاية هو مصلحة الطفل، وليس انتصار أحد الوالدين على الآخر. (World of Labour)
ومن القضايا التي تستحق المراجعة أيضًا أن كثيرًا من الزيجات تبدأ دون قدر كافٍ من الوعي بالتوافق الحقيقي بين الطرفين. ففي أحيان كثيرة يندفع البعض إلى الزواج تحت ضغط العمر، أو ضغط المجتمع، أو بحثًا عن الحب، بينما يندفع آخرون بدافع تلبية احتياجات أسرية أو عاطفية أو جنسية، دون منح الوقت الكافي للتعرف الحقيقي على شخصية الشريك، وقيمه، وقدرته على تحمل المسؤولية، وإدارة الخلافات، واحترام الحدود، والتوافق النفسي والاجتماعي.
إن قرارًا بحجم الزواج لا ينبغي أن يبنى على المشاعر وحدها، بل يحتاج إلى مرحلة واعية من التعارف، والتقييم، والحوار، والاستعداد، والاتفاق الواضح على الحقوق والواجبات، بما يشبه “ميثاقًا أسريًا” يحدد أسس العلاقة ويحميها من سوء الفهم مستقبلاً.
وتشير الخبرات النفسية إلى أن جرائم العنف الأسري غالبًا لا تبدأ بلحظة القتل، وإنما تسبقها مؤشرات واضحة، مثل التهديد المتكرر، والملاحقة بعد الانفصال، والغيرة المرضية، ومحاولات السيطرة، والعنف النفسي، وسوء إدارة الغضب، ورفض تقبل انتهاء العلاقة.
وهنا يأتي الدور الحقيقي للصحة النفسية والإرشاد الأسري، ليس بعد وقوع الجريمة، وإنما قبلها، من خلال تعزيز الصحة النفسية، وتعليم مهارات إدارة الانفعالات، وضبط الغضب، والتعامل الصحي مع الفقد والانفصال، والكشف المبكر عن الاضطرابات النفسية أو السلوكيات العدوانية، إلى جانب تحسين مهارات التواصل والحوار بين الزوجين، والتدخل المبكر عند ظهور بوادر الخلاف.
كما تؤكد اللجنة أن حماية الأرواح تتطلب أيضًا تطوير آليات التعامل مع البلاغات التي تتضمن تهديدات جدية أو اعتداءات متكررة. فكل بلاغ يحمل مؤشرات خطر يجب أن يحظى بالتقييم السريع، واتخاذ الإجراءات القانونية والوقائية المناسبة وفقًا لما يقرره القانون ونتائج التحقيقات، حفاظًا على الأرواح ومنعًا لتكرار المآسي.
وتبقى الحقيقة المؤلمة أن الأطفال هم الضحايا الصامتون في مثل هذه الجرائم؛ فهم لا يفقدون أحد الوالدين فحسب، بل يفقدون الشعور بالأمان والاستقرار، وقد يحملون آثار تلك الصدمات لسنوات طويلة.
ومن هنا، فإن لجنة الصحة النفسية بأمانة السياسات العامة المركزية بحزب الإصلاح والنهضة تدعو إلى إطلاق رؤية وطنية متكاملة تقوم على:
* نشر ثقافة أن الزواج شراكة وليس علاقة تملك.
* نشر ثقافة “البدء من جديد”، وأن انتهاء زواج غير ناجح قد يكون بداية حياة أكثر صحة للطرفين.
* تعزيز الوعي بالتوافق النفسي والاجتماعي قبل الزواج، وإتاحة برامج للإرشاد الأسري والتأهيل قبل الزواج.
* تشجيع الاتفاقات الأسرية الواضحة التي تنظم الحقوق والواجبات وتدعم استقرار العلاقة.
* تعزيز خدمات الصحة النفسية والإرشاد الأسري قبل الزواج وبعده.
* تطوير آليات تقييم خطورة بلاغات التهديد والعنف الأسري وسرعة التعامل معها وفق القانون.
* توفير الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال المتأثرين بالنزاعات الأسرية، وتشجيع نماذج التربية المشتركة الآمنة كلما كانت في مصلحة الطفل.
إن بناء مجتمع آمن يبدأ من بناء أسرة آمنة، والأسرة الآمنة لا تقوم على الخوف أو السيطرة، وإنما على الاختيار الحر، والاحترام المتبادل، والرحمة، وسيادة القانون.
رحم الله الضحية، وألهم ذويها الصبر، وحمى الله كل أسرة مصرية من أن تتحول خلافاتها إلى مأساة كان يمكن الوقاية منها.