
قراءة تحليلية لموازنة الدولة المصرية 2026/2027.. نقاط قوة وضعف وتحديات
بقلم: د. أشرف عبد العال خليفة أمين لجنة الشؤون الضريبية بأمانة السياسات العامة
منذ أيام تمت الموافقة النهائية على الموازنة العامة للدولة، وذلك بعد مناقشات ومداولات بين الحكومة المصرية والسادة أعضاء مجلس النواب ولجنة الخطة والموازنة، وبعد إبداء العديد من الملاحظات التي راعت الفئات الأولى بالرعاية، وما يؤثر بصورة مباشرة في حياة المواطن المصري، كما راعت متطلبات الاستقرار الاقتصادي، ودعم التصدير والإنتاج، وتوطين الصناعة المصرية، وتخفيف الأعباء المعيشية، إلى جانب ضخ حزمة من البرامج الاجتماعية والتكافلية لتحسين جودة الحياة.
ونظرًا لاهتمام الدولة بقطاعي الصحة والتعليم باعتبارهما من أهم محاور التنمية المستدامة والاستثمار في رأس المال البشري، فقد تم زيادة المخصصات المالية للصحة بنسبة تقارب 30%، وللتعليم بنسبة 20%، وهي نسب تعكس اهتمامًا واضحًا بهذين القطاعين الحيويين.
كما أنه، ونظرًا لوجود نقص في بعض الأدوية والمستلزمات الطبية داخل المستشفيات والقطاع الصحي، فقد تم تخصيص 90 مليار جنيه لهيئة الشراء الموحد لتلبية الاحتياجات وسد النقص في الأدوية، إلى جانب استكمال منظومة التأمين الصحي الشامل، ودعم العلاج على نفقة الدولة، وتطوير المستشفيات ورفع كفاءتها بالأجهزة الطبية والكوادر البشرية.
وفي قطاع التعليم، أدرجت الموازنة مبلغ 7 مليارات جنيه للكتاب المدرسي، وأرى أنه يمكن الاستفادة من جزء من هذا المبلغ في التوسع في البرامج التعليمية الإلكترونية الحديثة، وتقليل الاعتماد على الكتاب الورقي، مع استكمال البنية التحتية الرقمية للمدارس، وتزويدها بالحاسبات وتقنيات المعلومات الحديثة، والتوسع في إنشاء المدارس لتقليل الكثافات وتحسين جودة العملية التعليمية.
كما تم إدراج مبلغ 7 مليارات جنيه للتغذية المدرسية، وهو أمر يلبي احتياجات الطلاب، لكنه يحتاج إلى رقابة دقيقة على سلاسل الإمداد والتوزيع لمنع أي فساد إداري أو مالي. وإن كنت أتمنى توجيه جزء من هذه المخصصات لدعم العملية التعليمية نفسها، من خلال تعيين مدرسين وعمال نظافة، وتطوير المدارس والمعامل التدريبية.
وأدرجت الموازنة أيضًا مبلغ 836 مليار جنيه للفئات والبرامج الاجتماعية الأكثر احتياجًا، وهو ما يعكس رؤية القيادة السياسية في دعم الفئات الأولى بالرعاية، ومكافحة الفقر، وتقديم الدعم النقدي والمعاشات الاجتماعية.
كما تم تخصيص 69 مليار جنيه لشراء القمح المحلي، بما يضمن تقليل فاتورة الاستيراد، وتحقيق الأمن الغذائي، وضمان حصول الفلاح المصري على مستحقاته دون تأخير.
وفي إطار دعم الاقتصاد الوطني، خصصت الموازنة 80 مليار جنيه لتحفيز الإنتاج والتصنيع، وتوطين الصناعة المصرية، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتشجيع التصدير وريادة الأعمال. وإن كنت أتمنى الفصل بين مخصصات تحفيز الإنتاج والتصنيع وريادة الأعمال، وتحديد نصيب كل قطاع بصورة أكثر تفصيلًا.
كما أدرجت الموازنة 7 مليارات جنيه لدعم قطاع السياحة بجميع أنواعه، وهو ما يعكس رؤية استراتيجية للدولة لأهمية العائد الاقتصادي من هذا القطاع، وإن كنت أتمنى وضع مستهدفات رقمية واضحة لإيرادات السياحة تعمل عليها وزارة السياحة والهيئات التابعة لها.
وشملت الموازنة كذلك تخصيص 178 مليار جنيه لدعم السلع التموينية، في إطار التمهيد للتحول التدريجي إلى الدعم النقدي وتقليل الفاقد.
كما تم تخصيص 5 مليارات جنيه لبرنامج “تكافل وكرامة” والريفيات الرائدات، بما يعكس اهتمام الدولة والقيادة السياسية بدعم العمل الريفي الشريف، وتحقيق دخل كريم للأسر الأولى بالرعاية.
وأدرجت الموازنة 120 مليار جنيه لدعم الطاقة واستدامة الخدمات، بالإضافة إلى 13 مليار جنيه لتوفير السكن لمحدودي ومتوسطي الدخل في إطار مبادرة “سكن لكل المصريين”.
كما تم تخصيص 822 مليار جنيه للأجور والمرتبات والحوافز والعلاوات الجديدة للعاملين بالدولة.
وفيما يتعلق بتطوير المناطق غير المخططة، فقد تم تخصيص 4 مليارات جنيه لتطوير العشوائيات، وإن كنت أرى ضرورة زيادة هذه المخصصات وتوزيعها على مختلف المحافظات، حتى يشعر المواطن بتحسن ملموس في جودة الحياة والخدمات.
وتطرقت الموازنة أيضًا إلى خفض الدين الخارجي بنحو ملياري دولار، إلى جانب العمل على إدارة خدمة الدين العام، والتي تمثل أحد أكبر التحديات أمام تحقيق معدلات نمو اقتصادي يشعر بها المواطن. وإن كنت أتمنى وضع خطة زمنية واضحة لإنهاء الدين الخارجي تدريجيًا حتى لا تتحمله الأجيال القادمة، مع العمل على السيطرة على التضخم، وخفض أعباء الديون، وتشجيع الاستثمار، ومراقبة الإنفاق الحكومي، بما ينعكس على تحسين جودة حياة المواطنين.
ووفقًا للموازنة، فقد بلغت الإيرادات المستهدفة نحو 4 تريليونات جنيه، مقابل مصروفات تبلغ نحو 5 تريليونات جنيه، وهو ما يستوجب على وزارة المالية وضع خطة شاملة لزيادة الإيرادات، وتطوير آليات تحصيل مستحقات الدولة، وربط المصالح الإيرادية بجميع الوزارات والجهات الحكومية في إطار التكامل الرقمي والشمول المالي، بما يحقق أهداف الدولة في التنمية المستدامة.
وفي المجمل، جاءت الموازنة لتحقيق الأهداف الاقتصادية للدولة، وتعد الأكبر في تاريخ مصر، حيث ركزت على أولويات الإنفاق في مجالات الصحة والتعليم، ودعم الحماية الاجتماعية، وتحسين أوضاع العاملين بالدولة، وزيادة الصادرات.
ومن خلال هذا التحليل، يمكن الوقوف على أبرز نقاط القوة والضعف والتحديات التي تواجه الموازنة.
فمن أهم نقاط القوة:
* توفير مظلة حماية اجتماعية تعكس رؤية الدولة لجميع فئات المجتمع.
* إدراج الهيئات الاقتصادية ضمن الموازنة، بما يعكس قدرًا أكبر من الشفافية.
* تقليل عجز الموازنة، وهو ما يكشف عن انضباط مالي في إعدادها، وفي حدود آمنة.
أما أبرز نقاط الضعف والتحديات فتتمثل في:
* استمرار تأثير الدين العام على قدرة الدولة في زيادة الإنفاق التنموي.
* تنمية الإيرادات الضريبية، وضم الاقتصاد غير الرسمي، واستكمال التحول الرقمي، وتطوير العنصر البشري داخل مصلحة الضرائب المصرية.
* التوسع في تقديم التيسيرات والحوافز الضريبية المشجعة للاستثمار، ودعم الثقة مع مجتمع الأعمال، ومنح حوافز للممولين الملتزمين، وتقليل المنازعات الضريبية.
* التأثيرات الاقتصادية الخارجية، وما قد ينتج عنها من ضغوط تضخمية وارتفاع في الأسعار، بما قد يؤخر شعور المواطن بالتحسن الاقتصادي.
وفي النهاية، فإن موازنة الدولة المصرية للعام المالي 2026/2027 تعكس رؤية الدولة المصرية في إعطاء أولوية للمواطن المصري، وتحسين جودة الحياة، وتعزيز فرص النمو الاقتصادي، مع بقاء التحدي الحقيقي في حسن التنفيذ، وتحقيق المستهدفات، حتى ينعكس ذلك بصورة مباشرة على مستوى معيشة المواطن