الإصلاح والنهضة هو حزب مدني يحتضن دون تمييز جميع المواطنين وينطلق من أرضية مشتركة لترسيخ دعائم الدولة المدنية وإحترام سيادة القانون والدستور والمواطنة والتعددية
نظام “الطيبات”… بين “البحث العلمي الرصين” و”ثقافة الفولورز والتريند”
بقلم: الدكتور مصطفى كُريّم
مساعد رئيس حزب الإصلاح والنهضة وأمين السياسات العامة
شارك
في كل مرة تظهر قضية جديدة تمس حياة الناس أو صحتهم، يتكرر نفس المشهد: نقاشات حادة، انقسام في الآراء، وغوص في تفاصيل أشخاص بعينهم، وكأن الأزمة تكمن في الحالة الفردية لا في السياق الأوسع. وهنا تحديدًا، يصبح من الضروري الفصل بين التعاطف الإنساني الواجب مع أي حالة وفاة، وبين ضرورة تقييم المنهجيات التي قد تؤدي إلى تكرار مثل هذه النتائج.
الحديث عن نظام “الطيبات” أو غيره من الأنظمة الغذائية لا يجب أن يُختزل في شخص بعينه، ولا في تجربة فردية مهما كانت مثيرة للجدل. فالتعامل مع حالات فردية باعتبارها أصل القضية، سواء للدفاع أو للهجوم، لا يقود إلى فهم حقيقي، بل يستهلك الجهد في مساحات لا تضيف شيئًا للوعي العام.
المشكلة الحقيقية أعمق من ذلك بكثير، ويمكن اختزالها في نقطتين رئيسيتين.
أولًا: غياب المنهجية السليمة في النظر للأمور.
نحن أمام نمط تفكير يتعامل مع القضايا المعقدة بمنطق التبسيط المخل، حيث يتم القفز إلى استنتاجات سريعة دون قراءة شاملة، ودون الاعتماد على مصادر موثوقة أو تحليل علمي. تتحول التجارب الفردية إلى قواعد عامة، وتُبنى القرارات على الانطباع لا على الدليل. هذا النوع من التفكير لا يقتصر ضرره على هذه القضية، بل يمتد ليؤثر على طريقة تعامل المجتمع مع ملفات متعددة.
ثانيًا: انزواء البحث العلمي الرصين لصالح ثقافة “الفولورز”.
أصبح عدد المتابعين، ومعدلات التفاعل، وتجارب “ناس جربت ونفع” بديلًا عن الدراسات العلمية المحكمة. يتم ترويج أنماط حياة أو أنظمة صحية دون رقابة حقيقية، ودون تقييم علمي، فقط لأنها حققت انتشارًا واسعًا. هذه الثقافة، رغم بساطتها الظاهرية، تحمل مخاطر كبيرة، لأنها تضع قرارات مصيرية تتعلق بصحة الإنسان في إطار غير مهني وغير مسؤول.
وفي هذا السياق، يجب التأكيد بوضوح على نقطة مهمة: الشخص الذي توفي ليس محلًا للنقاش أو الجدل، فهو لم يعد قادرًا على الدفاع عن نفسه، واحترامه واجب إنساني. لكن في الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل نقد المنهجيات التي قد تكون ساهمت في تعميم ممارسات غير مدروسة، لأن تجاهل ذلك قد يؤدي إلى تكرار نفس السيناريو مع آخرين.
التحدي هنا ليس في إثبات صحة أو خطأ نظام بعينه، بل في إعادة ضبط طريقة التفكير والتعامل مع مثل هذه القضايا. فالصحة ليست مجالًا للتجارب العشوائية، ولا ساحة لتجارب يتم تعميمها دون سند علمي.
ومن هنا، يمكن طرح مجموعة من التوصيات المبدئية التي قد تساهم في الحد من تكرار مثل هذه الأزمات:
أولًا، تعزيز ثقافة الاعتماد على البحث العلمي، من خلال تبسيط مخرجاته وتقديمها للجمهور بشكل مفهوم، حتى لا يظل حكرًا على المتخصصين.
ثانيًا، وضع أطر تنظيمية واضحة للمحتوى المتعلق بالصحة، بما يضمن الحد الأدنى من المصداقية والمسؤولية.
ثالثًا، تفعيل دور المؤسسات العلمية والطبية في التواصل المباشر مع المجتمع، بدلًا من ترك المساحة لمنصات غير متخصصة.
رابعًا، نشر الوعي بأساسيات التفكير النقدي، بحيث يصبح الفرد قادرًا على التمييز بين التجربة الشخصية والدليل العلمي.
خامسًا، التأكيد على أن أي نظام صحي أو غذائي يجب أن يكون خاضعًا لإشراف متخصص، لا لتجارب عامة يتم تداولها عبر وسائل التواصل.
في النهاية، القضية ليست في “الطيبات” أو غيرها من الأنظمة، بل في الطريقة التي نتعامل بها مع المعرفة نفسها. إما أن نعيد الاعتبار للعلم والمنهج، أو نظل ندور في نفس الدائرة، حيث تتحول التجارب الفردية إلى ظواهر عامة، وتُدفع كلفتها من صحة الناس وسلامتهم.