الإصلاح والنهضة
الإصلاح والنهضة هو حزب مدني يحتضن دون تمييز جميع المواطنين وينطلق من أرضية مشتركة لترسيخ دعائم الدولة المدنية وإحترام سيادة القانون والدستور والمواطنة والتعددية

لماذا يفشل المؤسس قبل فشل مشروعه الريادي ؟… الرصيد الخفي لنجاح ريادة الأعمال في مصر

بقلم: الدكتورة/ أروى أحمد، أمين لجنة ريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة والمتوسطة بأمانة السياسات

في كل مرة تُعلن فيها مصر عن أرقام جديدة في عالم الشركات الناشئة، يبدو المشهد واعدًا. شركات جديدة تُولد، وتمويلات تتدفق، وحاضنات ومسرعات أعمال تتوسع، وشباب يحملون أفكارًا طموحة يسعون إلى تحويلها إلى مشروعات قادرة على النمو والمنافسة.
لكن خلف هذه الصورة الإيجابية تبرز حقيقة أقل بريقًا وأكثر أهمية: كثير من الشركات الناشئة لا تصل إلى خط النهاية. ورغم وفرة الحديث عن التمويل والتكنولوجيا والابتكار، فإن السؤال الذي يستحق التوقف أمامه ليس: كيف نمول المزيد من المشروعات؟ بل: كيف نساعد أصحاب هذه المشروعات على الاستمرار؟
لقد اعتدنا النظر إلى ريادة الأعمال باعتبارها رحلة اقتصادية أو استثمارية، بينما هي في جوهرها رحلة إنسانية بالدرجة الأولى. فخلف كل شركة ناشئة يقف شخص يتحمل مسؤوليات ضخمة، ويتخذ قرارات مصيرية يوميًا، ويواجه مستويات مرتفعة من عدم اليقين والضغوط والمخاطر.
منظومات دعم ريادة الأعمال حول العالم ركزت لسنوات طويلة على المشروع أكثر من تركيزها على صاحبه. تمويل، تدريب، تشبيك، تسويق، تسهيل إجراءات، وربط بالمستثمرين. وكلها عناصر مهمة لا غنى عنها. لكن السؤال الذي لم يحظ بالاهتمام الكافي هو: ماذا عن الإنسان نفسه؟
ماذا عن رائد الأعمال الذي يواجه ضغوطًا مالية متواصلة؟ وماذا عن المؤسس الذي يتحمل مسؤولية فريق كامل بينما لا يعرف إن كان سيتمكن من دفع الرواتب بعد عدة أشهر؟ وماذا عن الشاب أو الشابة الذين يواجهون الخوف من الفشل، وضغط التوقعات المجتمعية، والشعور بالعزلة أثناء بناء مشروعهم؟
هنا تظهر أهمية ما يمكن تسميته بـ”الرصيد الخفي” لريادة الأعمال: القدرة على الصمود والاستمرار والتعافي بعد الإخفاقات والتكيف مع التغيرات. إنها القدرة التي تجعل صاحب المشروع قادرًا على النهوض بعد التعثر، ومواصلة المحاولة عندما تبدو الظروف غير مواتية.
وتشير الدراسات الحديثة إلى أن الضغوط النفسية ليست حالة استثنائية بين رواد الأعمال، بل تكاد تكون جزءًا من التجربة نفسها. كما تُظهر أبحاث مصرية حديثة أن الخصائص الشخصية المرتبطة بالمرونة والقدرة على التعامل مع الضغوط ترتبط بشكل مباشر بأداء المشروعات وفرق العمل. بمعنى آخر، فإن نجاح المشروع لا يتحدد فقط بحجم التمويل أو جودة الفكرة، بل أيضًا بقدرة صاحبه على إدارة التحديات والاستمرار في مواجهتها.
وفي مصر تحديدًا، تكتسب هذه القضية أهمية خاصة. فالكثير من الشباب يمتلكون الرغبة في إنشاء مشروعاتهم الخاصة، لكن الخوف من الفشل ما زال يمثل أحد أبرز العوامل التي تمنع كثيرين من اتخاذ الخطوة الأولى. وهنا لا يصبح الحديث عن بناء القدرات النفسية أو تعزيز الثقة بالنفس ترفًا فكريًا، بل جزءًا أساسيًا من أي استراتيجية جادة لدعم ريادة الأعمال.
فالاقتصاد لا يُبنى بالأموال وحدها، بل بالإنسان القادر على تحويل هذه الأموال إلى قيمة مضافة. والاستثمار في رواد الأعمال لا ينبغي أن يقتصر على تمويل المشروعات، بل يجب أن يمتد إلى دعم الأشخاص الذين يقفون خلفها.
ولعل ما يميز اللحظة الحالية في مصر أنها تمثل فرصة حقيقية لإعادة التفكير في مفهوم دعم ريادة الأعمال. فمع تنامي الاهتمام الحكومي بالقطاع، ووجود رؤية متزايدة لتطوير بيئة الأعمال، يصبح من الممكن الانتقال من نموذج يركز على المشروع فقط إلى نموذج أكثر شمولًا يضع الإنسان في قلب عملية التنمية.
هذا لا يعني إنشاء برامج معقدة أو هياكل بيروقراطية جديدة، بل يعني ببساطة أن يصبح بناء قدرات المؤسس جزءًا أصيلًا من منظومة الدعم. أن يجد رائد الأعمال مساحة للتعلم من التجارب، وشبكات دعم من الأقران، وأدوات تساعده على إدارة الضغوط واتخاذ القرارات في الأوقات الصعبة. وأن ندرك أن التعثر جزء طبيعي من رحلة النجاح، وليس وصمة ينبغي إخفاؤها.
وقد أثبتت تجارب دول عديدة أن الاهتمام بالمؤسس لا يقل أهمية عن الاهتمام بالمشروع. فكلما زادت قدرة رواد الأعمال على التعامل مع التحديات، زادت فرص استدامة مشروعاتهم، وتحسن أداء فرق العمل، وارتفعت قدرة الشركات على النمو والتوسع.
من هذا المنطلق، فإن مستقبل ريادة الأعمال في مصر لا يرتبط فقط بعدد الشركات التي يتم تأسيسها كل عام، بل بقدرتنا على بناء جيل من المؤسسين القادرين على الاستمرار والتعلم والتعافي بعد الإخفاقات. فالمشروعات الناجحة لا تُبنى بالأفكار وحدها، بل بأشخاص يمتلكون القدرة على تحويل هذه الأفكار إلى واقع رغم ما يواجهونه من عقبات.
ولهذا، ربما حان الوقت لتغيير السؤال الذي نطرحه على أنفسنا. فبدلًا من أن نسأل: كيف ندعم المشروعات؟ علينا أن نسأل أولًا: كيف ندعم أصحابها؟
لأن التنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان. والاقتصاد القوي يبدأ من الإنسان. والمشروع الناجح يبدأ من الإنسان.
الإنسان أولًا… ثم يأتي كل ما عداه.