الإصلاح والنهضة
الإصلاح والنهضة هو حزب مدني يحتضن دون تمييز جميع المواطنين وينطلق من أرضية مشتركة لترسيخ دعائم الدولة المدنية وإحترام سيادة القانون والدستور والمواطنة والتعددية

الأوكتاجون المصري .. عقل الدولة في زمن الحروب الهجينة

بقلم اللواء أ. ح د/ محمد الشهاوي زميل الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، رئيس أركان الحرب الكيميائية الأسبق، عضو المجلس المصري للشئون الخارجية، ورئيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بحزب الإصلاح والنهضة

في العقيدة الأمنية الحديثة، لا تُقاس قوة الدولة فقط بعدد قواتها أو نوعية تسليحها، وإنما بقدرتها على رؤية التهديد مبكرًا، واستيعاب المعلومات بسرعة، واتخاذ القرار في التوقيت المناسب، ثم ضمان استمرار مؤسساتها في العمل تحت أقسى الظروف. ومن هذا المنظور، ينبغي قراءة مركز قيادة الدولة الاستراتيجي بالعاصمة الإدارية الجديدة، المعروف إعلاميًا بـ«الأوكتاجون»، باعتباره تحولًا نوعيًا في منظومة إدارة الأمن القومي المصري، وليس مجرد انتقال لمقر وزارة الدفاع إلى مبانٍ أكثر حداثة.
مركز قيادة الدولة الاستراتيجي الذي يمتد بنطاقه المتكامل على مساحة 22 ألف فدان ويضم 13 منطقة متنوعة الوظائف، أُنشئ وفق أحدث نظم الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والمراقبة الأمنية والقيادة والسيطرة، بما يعزز قدرة الدولة على إدارة مؤسساتها ومواجهة الأزمات والطوارئ تحت مختلف الظروف.
وتكمن القيمة الحقيقية للمركز في أنه يمثل انتقالًا من مفهوم «مقر القيادة» إلى مفهوم «منظومة قيادة الدولة». فالحروب المعاصرة لم تعد تبدأ بالضرورة بتحرك الدبابات أو إقلاع الطائرات، بل قد تبدأ بهجوم سيبراني يعطل شبكة كهرباء، أو باستهداف منظومة اتصالات، أو بحملة معلوماتية تربك المجتمع، أو بأزمة ممتدة تضغط على الموارد وسلاسل الإمداد. ولهذا أصبحت قدرة الدولة على دمج المعلومات المدنية والعسكرية، وتكوين صورة موقف موحدة، شرطًا أساسيًا لحماية الأمن القومي.
يضم مركز قيادة الدولة الاستراتيجي منظومة متكاملة تشمل مركز تنسيق أعمال دفاع الدولة، ومركز البيانات الاستراتيجي الموحد الذي يجمع بيانات مؤسساتها، ومركز التحكم في الشبكة الاستراتيجية المغلقة للجهاز الإداري، ومركز إدارة وتشغيل مرافق الدولة، ومركز التحكم في شبكة الاتصالات، إلى جانب مراكز الطوارئ والسلامة الميدانية والتنبؤات الجوية. كما يضم مخازن لتأمين احتياجات الدولة من السلع الاستراتيجية، فضلًا عن منشآت تعليمية وإدارية وطبية وخدمية متكاملة.
هذا التكامل يعني أن متخذ القرار لا ينتظر وصول تقارير منفصلة من جهات متعددة، قد تتباين تقديراتها أو تتأخر معلوماتها، بل يستطيع التعامل مع صورة موقف مشتركة تتدفق إليها البيانات من القطاعات المختلفة. والنتيجة هي تقليص الفجوة بين وقوع الحدث وفهمه، وبين فهمه وإصدار القرار، وبين صدور القرار وتنفيذه. وفي إدارة الأزمات، تمثل هذه الدقائق الفاصلة فارقًا بين احتواء الأزمة وتحولها إلى تهديد واسع.
ويمثل تجميع القيادات والجهات التخصصية في نطاق استراتيجي واحد معالجة لمشكلة تاريخية تمثلت في تشتت عدد من المقار والإدارات داخل القاهرة. فالمركزية هنا لا تعني البيروقراطية أو احتكار القرار، وإنما توحيد الرؤية وتسريع التنسيق، مع الحفاظ على قدرة الجهات التنفيذية على العمل الميداني. وكلما كان الاتصال بين مستويات القيادة أكثر أمنًا وسرعة، ارتفعت كفاءة الدولة في التعامل مع المواقف المركبة التي تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والأمنية والاقتصادية والخدمية والإعلامية.
كما يعكس المركز تطورًا مهمًا في مفهوم الردع المصري. فالردع لا يتحقق بالسلاح وحده، بل بإقناع الخصم بأن الدولة قادرة على امتصاص الضربة، واستمرار القيادة والسيطرة، وحماية منشآتها الحيوية، واستعادة كفاءتها التشغيلية سريعًا. ومن ثم فإن إنشاء شبكات استراتيجية مغلقة، وتأمين الاتصالات والمرافق والبيانات، وربط أجهزة الطوارئ في منظومة موحدة، يضيف إلى الردع العسكري التقليدي أبعادًا سيبرانية ومعلوماتية ومؤسسية.
وقد ظهرت أهمية هذا الاتجاه في إنشاء منظومة وطنية للطوارئ والسلامة العامة تربط عناصر الطوارئ والمرافق الحيوية من خلال مركز رئيسي وغرف عمليات وشبكات موحدة ومؤمنة، بما يرفع مستوى التنسيق بين الوزارات والمحافظات والجهات المعنية ويحسن سرعة الاستجابة للحوادث والأزمات.
أما الرسالة الموجهة إلى الداخل، فهي أن الدولة تستثمر في قدرتها على الاستمرار، وليس فقط في قدرتها على العمل في الظروف الطبيعية. فالمواطن قد لا يرى يوميًا مراكز البيانات أو غرف القيادة، لكنه يشعر بنتيجتها عندما تستمر الاتصالات والخدمات، وتتحرك أجهزة الدولة بسرعة، وتصل الموارد إلى المناطق المتضررة، وتصدر القرارات استنادًا إلى معلومات دقيقة.
وعلى المستوى الإقليمي، يبعث المركز برسالة واضحة بأن مصر تدرك طبيعة التحولات في بيئتها الاستراتيجية، حيث تتزايد الحروب غير التقليدية، وتتداخل التهديدات العسكرية مع الهجمات السيبرانية والأزمات الاقتصادية والكوارث الطبيعية وحملات التضليل. وفي إقليم مضطرب، تصبح الدولة القادرة على حماية مؤسساتها وإدارة أزماتها عنصر استقرار يتجاوز تأثيره حدودها الجغرافية.
كما أن وجود الأكاديمية العسكرية المصرية داخل نطاق القيادة الاستراتيجية يكشف أن المشروع لا يتعلق بالمباني والتكنولوجيا وحدهما، بل ببناء الإنسان القادر على إدارة هذه المنظومات. فالتقنيات المتقدمة لا تصنع قرارًا رشيدًا من تلقاء نفسها، وإنما توفر المعلومات والأدوات؛ بينما تبقى كفاءة القادة، ودقة التقدير، والقدرة على العمل المشترك، هي العامل الحاسم. وتعمل الأكاديمية في مقرها الجديد على إعداد وتأهيل العسكريين، إلى جانب كوادر مدنية من قطاعات الدولة، وفق مناهج ووسائل تعليمية وتكنولوجية حديثة.
إن «الأوكتاجون» ليس مجرد صرح معماري ضخم، ولا ينبغي اختزال دلالته في مقارنات شكلية مع مقار عسكرية دولية. قيمته الحقيقية أنه يمثل بنية سيادية لإدارة الدولة في عصر أصبحت فيه المعلومة سلاحًا، والشبكة ميدانًا للعمليات، واستمرارية المؤسسات جزءًا من الأمن القومي.
إنه، باختصار، عقل استراتيجي يجمع البيانات والقيادات والاتصالات والمرافق وأجهزة إدارة الأزمات داخل منظومة واحدة؛ ليؤكد أن الدولة المصرية لا تستعد فقط لخوض الحرب إذا فُرضت عليها، وإنما تستعد كذلك لحماية المجتمع، وإدارة الأزمات، واستمرار مؤسساتها في العمل، مهما كانت طبيعة التهديد.