الإصلاح والنهضة هو حزب مدني يحتضن دون تمييز جميع المواطنين وينطلق من أرضية مشتركة لترسيخ دعائم الدولة المدنية وإحترام سيادة القانون والدستور والمواطنة والتعددية
بقلم هدير عبدالفتاح، أمين مساعد لجنة الشؤون البرلمانية والتشريعية
شارك
تُقاس قوة الدول الحديثة بجودة مؤسساتها، كما تُقاس جودة المؤسسات بقدرتها على تطوير تشريعات تحقق أهدافها في الواقع، لا بمجرد إصدارها. فالقانون ليس غاية في حد ذاته، وإنما وسيلة لتنظيم المجتمع، وتحقيق العدالة، وتحسين جودة الحياة، ودعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ومن هنا يبرز سؤال بالغ الأهمية: من يراجع أثر القوانين بعد دخولها حيز التنفيذ؟
في كثير من الأحيان ينصب الاهتمام على مراحل إعداد مشروع القانون، ومناقشته، ثم إقراره ونشره في الجريدة الرسمية، وكأن رحلة التشريع قد انتهت. بينما الحقيقة أن المرحلة الأكثر أهمية تبدأ بعد التطبيق، عندما يصبح من الضروري تقييم ما إذا كان القانون قد حقق الأهداف التي صدر من أجلها، أم أنه أوجد تحديات جديدة، أو فرض أعباء غير متوقعة على المواطنين أو مؤسسات الدولة أو قطاع الأعمال.
لقد تطورت النظم التشريعية في العديد من دول العالم لتتبنى ما يعرف بـ”قياس الأثر التشريعي”، وهو منهج علمي يقوم على مراجعة نتائج تطبيق القوانين بصورة دورية، اعتمادًا على البيانات والمؤشرات، وليس الانطباعات الشخصية. ويهدف هذا النهج إلى قياس مدى تحقيق القانون لأهدافه، ورصد آثاره الاقتصادية والاجتماعية والإدارية، وتحديد ما إذا كان يحتاج إلى تعديل أو تبسيط أو حتى الإلغاء.
ومع تسارع وتيرة المتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية، أصبحت الحاجة إلى هذا النهج أكثر إلحاحًا. فالقانون الذي كان مناسبًا قبل خمس سنوات قد لا يكون قادرًا اليوم على مواكبة التطورات، كما أن بعض التشريعات قد تحقق أهدافها في جانب، لكنها تُحدث آثارًا جانبية في جوانب أخرى تستوجب المراجعة.
وفي مصر، شهدت السنوات الأخيرة طفرة تشريعية كبيرة استهدفت تحديث البيئة القانونية في العديد من القطاعات، وهو جهد يستحق التقدير. إلا أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تشهد اهتمامًا مماثلًا بقياس نتائج هذه التشريعات على أرض الواقع، من خلال مؤشرات واضحة، ودراسات مستقلة، والاستماع إلى المواطنين، والقطاع الخاص، والجهات المنفذة، وصولًا إلى صورة متكاملة عن مدى فاعلية كل قانون.
إن تبني منظومة وطنية لقياس الأثر التشريعي لن يعزز فقط جودة التشريع، بل سيدعم كذلك كفاءة الإنفاق العام، ويحسن بيئة الاستثمار، ويزيد من ثقة المواطنين في المؤسسات، لأن التشريع سيصبح عملية مستمرة من التعلم والتطوير، وليس قرارًا نهائيًا لا يخضع للمراجعة.
كما يمكن أن تضطلع اللجان النوعية في مجلسي النواب والشيوخ بدور أكثر فاعلية في هذا المجال، من خلال عقد جلسات تقييم دورية للقوانين المهمة، واستدعاء الجهات المعنية لمناقشة نتائج التطبيق، والاستفادة من الدراسات البحثية والبيانات الرسمية، بما يسهم في بناء سياسات تشريعية أكثر استجابة لاحتياجات المجتمع.
إن الانتقال من ثقافة “سن القوانين” إلى ثقافة “تقييم القوانين” يمثل خطوة طبيعية في مسيرة تحديث الدولة. فالتشريع الناجح ليس ذلك الذي يُكتب بإحكام فحسب، وإنما الذي يثبت بالتطبيق أنه حقق أهدافه، وعالج المشكلة التي صدر من أجلها، دون أن يخلق مشكلات جديدة.
ولهذا، فإن مراجعة أثر القوانين بعد إصدارها ليست ترفًا تشريعيًا، بل ضرورة مؤسسية تفرضها متطلبات الدولة الحديثة. فالقانون الجيد لا يخشى التقييم، بل يزداد قوة كلما خضع للمراجعة والتطوير، لأن التشريع في النهاية يجب أن يظل في خدمة المواطن والتنمية، لا أن يصبح غاية مستقلة عن الواقع الذي يسعى إلى تنظيمه.