الإصلاح والنهضة
الإصلاح والنهضة هو حزب مدني يحتضن دون تمييز جميع المواطنين وينطلق من أرضية مشتركة لترسيخ دعائم الدولة المدنية وإحترام سيادة القانون والدستور والمواطنة والتعددية

أحزاب بلا كشافين… من يكتشف المواهب السياسية؟

بقلم: الأستاذ/ الحسيني الكارم، نائب رئيس حزب الإصلاح والنهضة لشئون المحافظات

ربما تحتاج الأحزاب السياسية إلى أن تتعلم شيئًا من أندية كرة القدم، وأن تستعين بـ”كشافين” لاكتشاف المواهب والكوادر السياسية والتنظيمية والشعبية. فالأحياء والحواري والقرى والكفور مليئة بأشخاص يعشقون العمل العام، ويمتلكون سرعة البديهة والاستجابة، والقدرة على قراءة الواقع وتوقع الأحداث وردود أفعال المواطنين، لكن أحدًا لم يبحث عنهم أو يمنحهم الفرصة.
فجزء من الفجوة السياسية بين متخذي القرار والمواطن يعود إلى ضعف وجود كوادر حقيقية قادمة من الشارع، تعرف الناس وتعيش مشكلاتهم وتفهم لغتهم. وأزمة بعض الأحزاب ليست فقط في ضعف الكوادر، وإنما في كسلها عن البحث عنها؛ فالأحزاب التي تشكو غياب الصف الثاني هي أحيانًا ذاتها التي لم تنزل يومًا لصناعته، ولم تكلف نفسها عناء اكتشافه، وكأن الكفاءات تولد داخل مقار الأحزاب، لا وسط الناس.
في الماضي كانت الهوية الحزبية أكثر رسوخًا، وكان الانتقال من حزب إلى آخر أمرًا صعبًا. وأنا شخصيًا تربيت في بيت كنت أسمع فيه باستمرار عبارة: “يحيا الوفد ولو فيها رفد”. قد نتفق أو نختلف سياسيًا، لكن المعنى هنا أن الانتماء الحزبي كان ثقافة وهوية وتكوينًا، وليس مجرد محطة ينتقل منها العضو إلى أخرى بحثًا عن فرصة.
ولعل المفارقة أن أندية كرة القدم، بعقل احترافي، تجوب الحواري والقرى والكفور بحثًا عن طفل موهوب قد يصبح بعد سنوات نجمًا كبيرًا، بينما تدير بعض الأحزاب ظهرها لنفس هذه البيئات التي تعج بشباب يمتلكون الحضور والتأثير والقدرة على العمل العام، لكنهم يظلون خارج حسابات نخبة مغلقة ومنعزلة عن الأرض.
ويصبح الأمر أكثر أهمية ونحن أمام نقاش حول استحقاق انتخابي قادم هو انتخابات المجالس المحلية. فهل انتبهت الأحزاب من الآن إلى ضرورة البحث عن كوادر محلية حقيقية؟ أم سنعتمد مرة أخرى على النخبة والصفوة والجالسين في المكاتب المكيفة؟
المشكلة أن بعض الأحزاب تبحث عن “الجاهز”، لا عن “الممكن”. وكما ذكرت من قبل خلال انتخابات البرلمان، أصبحنا أمام ما يمكن تسميته بـ”السياسي سريع التحضير” أو “الصوب السياسية”. نفضل من يطرق أبواب الأحزاب على من يستحق أن تطرق الأحزاب بابه، ونستسهل الاختيار ونعيد تدوير نفس الوجوه، ثم نتساءل بعد ذلك: أين الكوادر؟
ربما لا تكون المشكلة الحقيقية في نقص الكفاءات، بل في غياب العين التي تراها، والعقل الذي يخطط لاكتشافها، والإرادة التي تنزل إلى حيث يوجد الناس. فلا كشافون، ولا آليات حقيقية للرصد والاختيار، وأحيانًا لا توجد الرغبة الكافية في الخروج من الدوائر التقليدية.
فالسياسة ليست صالونات سياسية، ومن يختزلها في القاعات المغلقة لن ينتج إلا كوادر معزولة عن المواطن والواقع، تتحدث إلى نفسها، وتفقد تدريجيًا صلتها بالشارع، ثم تتساءل بدهشة: لماذا لا يثق بنا الناس؟ وأين الأحزاب من المواطن؟
الخطر الحقيقي يكمن في الكسل التنظيمي والاستسهال، ويزداد الخطر عندما يحل المال السياسي أو المحسوبية محل الكفاءة والحضور الشعبي. فهذا يقتل فرص ظهور كوادر جديدة، ويكرس الوجوه المستهلكة حتى تصبح وكأنها قدر مفروض لا اختيارًا سياسيًا.
ومن هذا المنطلق، فإن أي حديث عن إصلاح حزبي دون بناء منظومة حقيقية لاكتشاف وإعداد الكوادر سيظل ناقصًا. نعم، الأحزاب بحاجة إلى “كشافين سياسيين”، ليس بالمعنى الرمزي فقط، وإنما كآلية عمل حقيقية؛ كوادر مدربة تنزل إلى الشارع، من الشارع وإلى الشارع ولأجل المواطن، ترصد المواهب، وتختبرها، وتدربها، وتصنع قيادات جديدة من خارج الدوائر الضيقة، لا من داخلها فقط.
نحتاج إلى كشافين سياسيين يبحثون عن السياسة لا المال، وعن الكفاءة لا المحسوبية، وعن الشخص القادر على اكتساب حب المواطن وثقته وخدمته بحق، لا من يتشدق باسم المواطن والوطن.
فحب الوطن ليس شعارًا، والسياسة ليست مقعدًا أو منصبًا، والحزب الحقيقي هو الذي يفتح أبوابه للمجتمع، ثم يخرج هو نفسه ليبحث بين الناس عن أفضل من يستطيع خدمتهم وتمثيلهم.
لأننا في النهاية نريد وطنًا يسع الجميع… وأحزابًا تشبه الناس، ويشعر الناس أنها منهم ولأجلهم.