الإصلاح والنهضة
الإصلاح والنهضة هو حزب مدني يحتضن دون تمييز جميع المواطنين وينطلق من أرضية مشتركة لترسيخ دعائم الدولة المدنية وإحترام سيادة القانون والدستور والمواطنة والتعددية

خطر السيكوباتي… حين يختبئ الاضطراب خلف قناع الطبيعي

بقلم: الدكتورة سلمى طولان أمين مساعد لجنة الصحة النفسية بأمانة السياسات العامة حزب الإصلاح والنهضة

خلف ستار من المعاملات التي تبدو طبيعية، قد يعيش بيننا شخص يتزوج وينجب، يعمل ويتفاعل اجتماعيًا، ولا تبدو عليه في الظاهر أي أعراض خطيرة أو مرعبة. لكنه في الداخل يحمل اضطرابًا عميقًا في البنية النفسية، اضطرابًا لا يظهر دائمًا في شكل جنون أو فقدان إدراك، بل يتخفى خلف سلوك يبدو “عاديًا” إلى أن تقع الكارثة.
الحديث هنا عن أحد أخطر اضطرابات الشخصية، وهو اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع، المعروف علميًا باسم Antisocial Personality Disorder (ASPD)، والذي يُصنّف ضمن اضطرابات الشخصية وفق الدليل التشخيصي والإحصائي للأمراض النفسية والعقلية. هذا الاضطراب لا يعني بالضرورة فقدان العقل أو غياب الوعي، بل يعني خللًا عميقًا في الضمير والتعاطف والقدرة على احترام القيم الإنسانية والاجتماعية.
من أبرز سمات هذه الشخصية العدوانية، الاندفاعية، الخداع، النزعة الانتقامية، القسوة، وغياب المعايير الدينية أو الاجتماعية الرادعة. يعاني المصاب من خلل في التعاطف الوجداني، وانحراف في الغرائز الطبيعية، ما يجعله قادرًا على إلحاق أذى بالغ بالآخرين دون شعور بالذنب أو تأنيب الضمير.
وقد شهدنا مؤخرًا جريمة تهتز لها القلوب وتعجز العقول عن استيعابها، جريمة راح ضحيتها فتاة في العشرين من عمرها، سارة حمدي من محافظة قنا، التي ماتت جوعًا بعد تعرضها لأبشع صور التعذيب على مدار ثلاثة عشر شهرًا على يد أقرب الناس إليها: والدها. الشخص المفترض أن يكون مصدر الأمان والحماية والرعاية، تحولت غريزة الأبوة لديه إلى قسوة وانتقام وتعذيب ممنهج.
لم تكن هذه المأساة مجرد لحظة عنف، بل معاناة طويلة، أيام وساعات من الخوف والجوع والعطش والألم النفسي والجسدي. انتظار مرير لإنقاذ لم يأتِ، وأمل كان يموت في كل لحظة، بينما ظل قلب الجاني جامدًا لا يتحرك حتى لفظت الضحية أنفاسها الأخيرة.
وأمام هذه الجريمة البشعة، يثور سؤال مؤلم:
هل العقوبة القانونية وحدها كافية لإغلاق مثل هذه القضايا؟
أم أننا بحاجة إلى تدخلات أعمق تتجاوز رد الفعل إلى الوقاية؟
من المهم التأكيد على أن اضطرابات الشخصية لا تُعد مرضًا عقليًا ولا عاهة ذهنية. المصاب بها يتمتع بالتمييز والإرادة الحرة، وقادر على التحكم في أفعاله، وبالتالي يخضع للمساءلة القانونية الكاملة. لكن ذلك لا يمنع من طرح تساؤل أخلاقي وإنساني: هل هناك عقاب يعادل حجم الأذى النفسي والجسدي الذي ارتُكب؟
الأخطر من الجريمة نفسها هو الصمت الذي يحيط بها.
أين كانت الأسرة الممتدة؟
أين كانت الأم؟
أين الأقارب؟
عام كامل من المعاناة دون سؤال أو تدخل.
وأين الجيران إن وُجدت استغاثات أو بكاء؟
وأين دور مؤسسات المجتمع في التوعية والوقاية؟
تشير الدراسات النفسية والاجتماعية بوضوح إلى أن تجاهل الإشارات المبكرة، والصمت الاجتماعي، والخوف من التدخل في “شؤون الأسرة”، كلها عوامل تُطيل أمد الإيذاء وتمنح الجاني مساحة للاستمرار.
هذه القضية المؤلمة تفتح أبوابًا واسعة للتساؤل، وتفرض علينا إعادة النظر في دور الأسرة، ودور المجتمع، ودور المؤسسات التربوية والصحية والإعلامية. الوعي بالصحة النفسية لم يعد رفاهية، بل ضرورة لحماية الأرواح قبل أن تتحول الوقائع إلى أرقام في نشرات الأخبار.
إن الكشف المبكر، والتوعية بمخاطر اضطرابات الشخصية، وتعليم الناس متى يتدخلون وكيف، قد يكون الفارق بين حياة تُنقذ وجريمة كان يمكن تفاديها. فالصمت في مثل هذه الحالات ليس حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة في إطالة الألم