خط عرض ٣٨ .. شبه الجزيرة الكورية

23146493_1683806248358712_920782626_n

في عام ٢٠٠٠م تم الاتفاق بين الكوريتين على برنامج محدود من أجل لم شمل الأسر الموجودة في الكوريتين، من بينهم أخوين افترقا عام ١٩٥٠ والتقيا عام ٢٠٠٠ أحدهما في الشمال يسمي هوانج وأخيه في الجنوب، هوانج انتهي به الحال في الشمال بالعمل كطبيب في القوات الجوية، والتي تعد وظيفة جيدة في ظل حكم عسكري ديكتاتوري. غير أنه ليس في حالٍ جيدة، فعندما التقى بأخيه في الجنوب وكان يتملك سيارته الخاصة أما هو فلا، وسأله أخيه هل تملك هاتف؟ فأجاب بالنفي، عرض أخيه عليه بعض النقود فأجابه “إذا عدت بالنقود فإن الحكومة سوف تطلب منا أن نعطيها لهم، لذلك من الأفضل أن تحتفظ بها”، لاحظ أخيه أن معطفه كان باليًا ومتهالكًا، فعرض عليه أن يترك معطفه ويعطيه معطفه الجديد فأجابه هوانج “لا أستطيع القيام بذلك، هذا المعطف مستعار من الحكومة حتى نأتي إلى هنا. كان هوانج يشعر بالإحراج والاضطراب وكان دائما قلقًا وكأن شخصًا يستمع للحوار بينهما، لقد كان أفقر وأبأس مما تخيل أخوه.

 

هذا التمايز الشديد بين حال الكوريتين هو أمر حديث نسبيًا، فقبل عام ١٩٤٥ كانت شبه الجزيرة الكورية موحدة وشعبها واحد لا فرق بينهم وكانت كوريا تحت الإحتلال الياباني لأكثر من ثلاثة عقود، ومع نهاية الحرب العالمية الثانية وهزيمة اليابان تم الاتفاق علي إنشاء وصاية على كوريا، والهدف أن تعود كوريا إلى شعبها في خلال خمس سنوات، ولكن على أرض الواقع تم تقاسم النفوذ على شبه الجزيرة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية، المناطق الواقعة شمال خط عرض ٣٨ تكون تحت النفوذ السوفيتي وأما جنوبه فهي مناطق تقع تحت النفوذ الأمريكي، ومع ولادة الحرب الباردة والصراع بين الاشتراكية والرأسمالية بدا أنه من المستحيل الوصول لشكل موحد للحكومة الكورية ولتنظيم الاقتصاد ولبنية وشكل المجتمع الكوري ومنذ ذلك الوقت بدأ الانقسام والتمايز بين الكوريتين.

 

 بدأت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في تشكيل الجزء الخاص بهم من شبه الجزيرة الكورية خاصة فيما يتعلق بتنظيم الوضع الاقتصادي، ففي الجنوب تم دعم “ريهي” المعارض بقوة للشيوعية والذي تلقى تعليمه في جامعة هارفارد الأمريكية لقيادة حكومة كوريا الجنوبية حيث تم انتخابه كرئيس في عام ١٩٤٨م وشجع قيام اقتصاد سوق يحترم ويعظم الملكية الخاصة، ومن بعده جاء “بارك” عام ١٩٦١م والذي أحاط نفسه بفريق عمل معظمهم ممن تلقوا تعليمهم في الولايات المتحدة وقام بتوجيه الدولة بكامل أجهزتها لدعم الصناعة والشركات الخاصة الناشئة، دعم تشريعي ودعم تمويلي ودعم حمائي فيما يعرف بنموذج الدولة التنموية، ولا نستطيع أن نقول أنها كانت حكومات ديمقراطية ولكنها كانت حكومات شاملة أي أنها كانت تعمل لمصلحة الشعب الكوري الجنوبي وليس من أجل نخبة فاسدة تستأثر بالامتيازات والحوافز، خاصةً فيما يتعلق بالمجال الاقتصادي.

 

أما في كوريا الشمالية فكان الوضع على النقيض، حيث نصب “كيم إيل سونج” نفسه ديكتاتورًا في عام ١٩٤٧م، وبمساعدة الاتحاد السوفيتي تبني صيغة صارمة من الاقتصاد المخطط بصورة مركزية، حيث تم تحريم الملكية الخاصة، وحظر الأسواق، وتقليص الحريات ليست الاقتصادية فقط بل في كل مناحي الحياة، وبالطبع تم استثناء النخبة الحاكمة التي إلتفت حول “كيم” التي استأثرت بالامتيازات والمنافع وتركت البلاد تغرق في عقود من التخلف والانحدار والتي كان من أبرز نتائجها المجاعات التي حدثت في التسعينيات من القرن الماضي في كوريا الشمالية والتي راح ضحيتها عشرات الآلاف من الكوريين الشماليين.

 

أحد التفسيرات لهذا التمايز يمكن أن يقدمه لنا “دارن أسيموجلو – جيمس روبنسون” فقد بحثا في عشرات التجارب الدولية عبر التاريخ البشري وخرجا بنظرية تبحث في شكل مؤسسات الدول ودورها في التنمية، وخرجت بنتيجة مفادها أن هناك شكلان للمؤسسات السياسية والاقتصادية في الدول، فهناك مؤسسات استحواذية ومؤسسات شاملة. المؤسسات الاستحواذية تستأثر فيها النخبة الحاكمة وتستحوذ علي الامتيازات السياسية والاقتصادية لنفسها ويتم تسخير الشعب لخدمة أهداف ورغبات القائمين على هذه المؤسسات الاستحواذية دون أي مساءلة أو أي مسارات للتطوير والتغيير، وتدخل تلك الدول إلى دوائر الفقر المغلقة، وبالتالي تتوقف عجلة التنمية بسبب غياب الحافز لدى عامة الشعب، فلماذا تعمل بجد أكثر، ولماذا تبدع طالما أنه لا فائدة عائدة عليك من ذلك، فما تعطيه لك الدولة عليك أن ترضى به. كما أنه لا توجد ملكية خاصة لأفراد الشعب للتربح منها كل حسب مهاراته واجتهاده، وإن وجدت فهي مهددة بالغلق أو المصادرة. وهذا هو توصيف الحال في كوريا الشمالية.

 

أما إذا أردنا توصيف الحال في كوريا الجنوبية فهي لديها نوع آخر من المؤسسات، وهي المؤسسات الشاملة لكافة أطياف الشعب والتي لا تستأثر بها نخبة أو فئة دون أخرى، تلك المؤسسات التي تشجع القطاع الأكبر من المواطنين علي المشاركة الفعالة والفعلية في الأنشطة الاقتصادية مما يحقق أكبر استفادة من مواهبهم ومهاراتهم الشخصية وتنمي الحافز الداخلي لديهم للنمو والتطور والإبداع، والذي بدوره يدفع عجلة التنمية والازدهار للأمام، وتتيح وتشجع تلك المؤسسات وجود الملكية الخاصة الآمنة، وتتيح أيضًا نظامًا قانونيًا عادلًا ومحايدًا لكافة فئات المجتمع لإتاحة المجال للمشاركة المتساوية. وهذا ما حدث في كوريا الجنوبية حيث تم فتح المجال الاقتصادي للجميع وكانت الدولة داعمة وحامية لحقوق الملكية.

 

وختامًا فإن شكل المؤسسات والنخبة التي تدير تلك المؤسسات يعد أحد المفاتيح التي نستطيع أن نقرأ بها التجارب التنموية، وأن نفهم لماذا تقدمت دولة دون أخرى. ومختلف دول العالم إما أن تقترب مؤسساتها من المؤسسات الشاملة التي تعمل لصالح كافة أطياف الشعب فتتقدم وتزدهر، وإما أن تكون مؤسساتها أقرب للمؤسسات الاستحواذية التي تعمل لصالح نخبة فاسدة أو فئة بعينها فتزدهر تلك النخبة ويشقى باقي الشعب في مستنقعات الفقر والتخلف

وحدة الدراسات الاستراتيجية .. أمانة السياسات العامة
حزب الاصلاح والنهضة.

تعليقات الزوار