حرب أكتوبر … هل للانتصارات تاريخ لانتهاء الصلاحية؟!

265

بقلم : د . مصطفى كريم
أمين السياسات بحزب الإصلاح والنهضة

ونحن نمر بذكر حرب اكتوبر وبعد مرور قرابة 45 عامًا على هذا الحدث الجلل، تطالعنا الشبكات الإعلامية خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة نقاشات وسجالات حول ماهية ما حدث في حرب أكتوبر، حديث يتجاوز البحث في أسباب الثغرة التي حدثت في الجيش الثالث الميداني، ليصل إلى التشكيك في كون ما حدث نصرًا لمصر أم لا؟!

وهنا كان لابد من وقفة، لنطرح سؤال واستفسار ربما يبدو ساذجًا للوهلة الأولى: هل ما حدث في اكتوبر انتصار أم لا؟ وإن كان انتصارًا فهل يفسده ما حدث في الثغرة أو ما تلا ذلك من مفاوضات سلام أم لا؟ وإن كان انتصارًا رغم كل ذلك، فهل انتهت فترة صلاحيته؟! وهل للانتصارات أصلًا تاريخ تنتهي فيه صلاحيتها؟!

قد تبدو الأسئلة ساذجة؛ لأنه في الوقت الذي تسعى فيه بعض الأمم والدول إلى اختراع انتصارات وهمية، وتزييف إنجازات وانتصارات لم تحدث أصلًا، وحرف التاريخ لصالحها، يبهر قطاع من المصريين ـ كالعادة ـ العالم حين يحاول بيده أن يطمس انتصارًا اعترف به حتى العدو الذي كنا نحاربه؛ ويكأن هؤلاء يريدون أن يكونوا ملكيين أكثر من الملك!

الإنجازات والانتصارات ليست أفيونة تعطى كمخدر لتغييب الشعوب عن الحقيقة، ولكنها فيتامينات لازمة من فترة لأخرى، وقد ترقى إلى أن تكون أدوية لابد للشعوب من أخذها لتتمكن من الاستمرار؛ فالاستمرارية في الحاضر مبنية على ما يعرف بالـ “الامتداد التاريخي” في الماضي.

الأهرام

وما يقصد بالامتداد التاريخي أنه هو مدى عمق امتداد أي دولة أو مجتمع تاريخيًا … ولنضرب مثالًا لتوضيح أهمية تلك النقطة، فما يتنناوله البعض في مصر بالسخرية من فكرة كون مصر دولة ممتدة تاريخيا لما يزيد عن 7000 سنة، بينما يتناوله فريق مضاد أحيانًا بأنه من باب تبرير الضعف الذي يصيب موقع مصر الإقليمي وكذلك مرحلة الوهن الذي يمر به اقتصاد مصر الداخلي وسياستها الخارجية أحيانًا … وهي نظرة أراها مجتزئة أو سطحية أو ـ من باب حسن الظن ـ أراها رؤية غاب عنها الصواب، حيث أن الامتداد التاريخي يعد رقمًا هامًا في معادلة القوة لأي دولة أو مجتمع.

وهنا يبرز السؤال الذي سأحاول الإجابة عليه في السطور القادمة: ما هي مساحة انجازات وانتصارات من قبيل حرب أكتوبر؟! وما هي مساحة الماضي وأهميته في الحاضر والمستقبل؟ وكيف يمكننا الاستفادة من الماضي دون الاتكاء عليه لتبرير ضعف الحاضر وغياب رؤية المستقبل؟

ويمكن الإجابة عن الأسئلة السابقة من خلال تناول 5 نقاط هامة وهي:

  1. الاستفادة من الماضي تحتاج لضابط هام حتى لا يكون اجترار الماضي استراتيجية للهروب من سوء الحاضر، هذا الضابط هو ما يعرف بالذهنية الاستراتيجية والتي يقصد بها قدرة الدولة والمجتمع على أن يقوموا بالبناء على العمق الاستراتيجي المتمثل في التاريخ والإنجازات وما يتعلق بذلك من قيم وثقافة عريقة ولكن باستخدام آليات وأدوات حديثة قادرة على التفاعل مع المستجدات بصورة مستمرة دون أن تعاني من الجمود في الماضي الذي يؤدي بها إلى التيبس ولا أن تنخلع عن عمقها الاستراتيجي فتعاني التخبط والارتباك.
  2. هناك أمم تعاني من سطحية امتدادها التاريخي ولا تمتلك إنجازات ولا انتصارات حقيقية ولكنها تسعى إلى تعميق ما لديها من هامش ضئيل من الانتصارات الجزئية والصغيرة ومحاولة نشر ثقافتها وفكرها بالرغم من سنواتها القليلة وحداثة سنها كأمة ومجتمع وذلك لأن هذا الامتداد جزء أصيل ورقم مهم في معادلة قوة تلك الدول، فكيف يكون لنا امتداد مجاني لم نعاني فيه أو نبذل جهدًا ثم نتخلى عنه بسهولة، بحساب Cost and Benefit أو التكلفة والعائد التخلي عنه سفه.
  3. صلابة وتماسك الدول تحتاج إلى ما يمكن أن نصفه بالـ (Societal Glue) أو الصمغ المجتمعي إن جازت الترجمة ومن عوامل صلابة أي دولة أن تكون مبنية على إنجازات حقيقية وانتصارات سابقة، وإن كانت الشركات أو حتى الأندية الرياضية تضع في خزانتها كئوس كل دورة وبطولة حتى لو كانت دورة عادية، فكيف يمكن للوطن أن يتخلى عن انجاز حققه أو انتصار أحرزه؟!
  4. تعتبر الإنجازات من أهم عنصر من عناصر ما يعرف بـ “البعث النفسي” وهو ما يحتاجه أي مجتمع أو أمة للنهوض من كبوتها (كمثل ما عانته مصر في السنوات التالية وتعاني آثاره الأن)، وهذا ما قام به رواد التحرر الوطني والحركات الوطنية على مستوى العالم، وعلى مستوى مصر كما الحال في تجربة مصطفى كامل وسعد زغلول وغيرهما من رواد الحركة الوطنية الحديثة في مصر.
  5. لا يعني استغلال البعض لهذه الانتاصرات كمخدر أو كستار لفشل إداري أو قرارات خاطئة أو فساد منتشر أن نلغي المبدأ من الأساس، هذا يشبه إلى حد كبير من أصابه جرح شديد ولكنه ليس خطير للغاية في أصبعه فبدلًا من علاجه قرر قطع الأصبع بالكامل … عذرًا هذا نوع من السفه ولو فعله أحد بأصبعه ذلك لاتهم بالجنون أو التهور.

الخلاصة:
——–
الإنجازات والانتصارات وما تضيفه إلى الامتداد التاريخي الحضاري لمصر أمر غير قابل للمناقشة وهو عامل قوة، فلا يمكننا استخدامه كمخدر فنوقف التطور والتقدم ولا يمكننا دعوة الناس للتخلي عنه تحت زعم التخلص من الإدمان فنخسر عنصر قوة … هو فيتامين وعنصر غذائي قوي ومكمل لمجهود يومي مستمر في كل المجالات على كل الأصعدة من كل الأطراف.

تعليقات الزوار